" الفكر عطية كبرى من الله وأحد عناصر الصورة في الإنسان، لذا لا يجوز الكفر به بحجة ما قد يقع فيه من شطط وغرور"
الله والمصائب

فصل ملحق من كتاب "الله والشر والمصير"

لتنزيل ملحق الله والمصائبPdf

كيف يتفق وجود المصائب مع قدرة الله وصلاحه؟

 مقدّمة

     أنّه موضوع بالغ الأهميّة والحساسيّة يقضّ مضاجع البشر منذ القِدَم ويضع الإيمان على المحكّ لدى الكثيرين. فعديدون هم الذين، بسببه، ابتعدوا، ولا يزالون يبتعدون، عن الإيمان. هؤلاء يقولون إنّ وجود الشرّ في العالم (والمصائب وجه من وجوهها) يشير إلى أحدٍ من أمرين: أمّا أنّ الله يريده، فلا يكون بالتالي صالحاً أو أنّه لا يريده ولكنّه لا يستطيع أن يحول دون وجوده، وبذلك يكون غير قادر. ويستنتجون أنّه، في كلا الحالتين، أي في حالة إله غير صالح أو إله غير قادر، لا يمكن أن يكون هذا الإله هو الله كما يُعرَّف عنه(١). لذا فهم يخلصون إلى عدم وجود الله أو، على الأقلّ، يتصرّفون عمليًا وكأنّه غير موجود.

     بالمقابل نرى المتمسّكين بالإيمان يجتهدون أن ينقذوا صورة الله التي صدّعها وجود الشرّ بوسائل أقلّ ما يقال عنها أنّها غير مقنعة لغير المؤمنين، لا بل مشكوك بقدرتها على إقناعهم هم أنفسهم في العمق. فلكي ينقذوا اقتدار الله، يذهبون إلى القول بأنّ الشرّ لا يأتي إلاّ بإرادته، وبعضهم يقولون تلطيفًا إنّه يأتي «بسماحه»، غير آبهين لكون سماحًا كهذا يعني تحالفًا ما أو تواطئاً(٢). ولكي ينقذوا صلاحه، يقولون أنّ الله إذا أراد الشرّ، فإنّه يريده تنفيذاً لعدالته التي تقضي بمعاقبة الأشرار. أمّا إذا «سمح» بأن يحلّ شرٌّ ما على من لم يستوجب العقاب، فيقولون ٳنّ ذلك يحصل من أجل خير غامض يعرفه الله وحده ويتوحّاه لذلك الٳنسان من وراء الشرّ الذي أصابه. أجوبة مفجعة من هذا النوع، لا تقيم وزنًا لكرامة الله ولا لكرامة الٳنسان. ولوّ قُدّمت بأحسن النوايا، سمعناها مثلًا لدى حصول كارثة الزلزال البحري (تسونامي) التي ضربت السواحل الآسيويّة في ٢٦ كانون الأوّل ٢٠٠٤، وأودت بحياة عشرات آلاف الضحايا.

     محاولتي المتواضعة تنطلق من الإيمان، ولكنّها تبغي، بعون الله، أن لا تغيّب تعقيد الواقع ومأسويّته، وأن تتحاشى الأجوبة المتسرّعة وما تقود إليه لا محالة من طرق مسدودة. يقيني أنّ الجواب الكامل يمتنع علينا لأن الله يتجاوز أبداً كل ما يسعنا أن نقوله عنه. ليس كمن يحتجب وراء جدار منيع يحتمي به باستعلاء من فضولنا، بل كما يتراجع الأفق أبداً أمام الذي يخال إليه أنّه أوشك على لمسه، فيحفّزنا ذلك إلى متابعة السير أو الإبحار، متوغّلًا في المدى إلى ما لا نهاية. هكذا فإنّ احتجاب سرّ الله عن مداركنا إنّما هو دعوة لنسترسل أبدًا في خوض ذلك السرّ الذي يتكشف لنا أكثر فأكثر دون أن يتاح لنا في وقت ما، حتى ولا في الأبديّة، أن نستنفده.

     الجواب الكامل ممتنع علينا، ولكن بوسعنا أن نسلّط الأضواء وأن نزيل بعض الأوهام، وهو ما لا يُشبع الفضول ولا يمحو القلق، ولكنه يرسم للفكر طريقًا تحفظ لله وللإنسان معاً كرامتهما، علمًا بأنّ ذلك لا يعفي المصاب من معاناته، وما تفرزه تلقائيًّا من شعور مرير بأنّ الله نفسه تخلّى عنه (وهو الشعور نفسه الذي شاركنا به يسوع عندما صاح على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»: مرقس ١٥: ٣٤)، ولكنّه يسمح بعيش هذه المعاناة في نصابها الصحيح، محرّرًّا إيّاها من عبثيّة اللامعنى المدمّرة. علماً بأنّ أشد أنواع العبثيّة إيلاماً هي التي تمسخ الله لتتّخذ منه تغطية وتأكيدًا لها.

     محاولتي تبغي أن تجمع منتهى المأساويّة إلى منتهى الرجاء، وأن تكون بذلك على شاكلة المسيحيّة، التي نعتها عمانوئيل مونييه بأنّها «تفاؤل مأساويّ» optimisme  tragique، وكتب عنها جاك ماريتان: «المسيحيّة الأصليّة (...) متشائمة وعميقة التشاؤم، بمعنى أنّها تعلم أنّ المخلوق مُستخرَج من العدم، وأنّ كلّ ما يأتي من العدم ينزع من تلقاء ذاته إلى العدم. ولكن تفاؤلها أعمق بما لا يقاس من تشاؤمها، لأنّها تعلم أنّ المخلوق إنّما من الله يأتي، وأنّ كلّ ما يأتي من الله ينزع إلى الله»(٣).

     أولًا: ليس الله مصدرًا للمصائب

     الأمر الأوّل الذي بإمكاننا أن نؤكدّه هو أنّ الله ليس مصدراً للمصائب، وذلك خلافًا للإعتقادات الشعبيّة السائدة فيما بيننا، والتي تترجمها عبارات يتكرّر التلفّظ بها مثل الدعاء التالي: «الله لا يُضرّك» (أسأل الله أن لا يلحق بك ضررًا) أو عبارة «عما الله على قلبه أو على قلبي» (أعمى الله قلبه أو قلبي)، والتي هي من مخلّفات الذهنيّة الساميّة التي تنزع إلى إرجاع كلّ شيء مباشرة إلى الله، إعترافًا منها (متسرّعًا كما سوف نرى) بسلطانه (٤). ٳن تأمّلًا رصينًا في التراث الكتابيّ – مقرؤًا من خلال يسوع، الذي لا تستقيم قراءة الكتاب ٳلّا ٳذا تمت عبره كما يوضح الرسول بولس (٢ كورنثوس ٣: ١٤ – ١٦) – ٳنّ تأمّلًا كهذا يوضح أنّ الله لا يمكن أن يكون مصدرًا للشرور.

    ١- لأنّه خيرٌ كلّه

     ففي حين أنّ المذاهب الثنائيّة، كالزردشتيّة والمانويّة والغنوسطيّة، تعلّل الشرّ بتواجد مبدأين أزليّين في الألوهة، أحدهما خيّرٌ والآخر شرير (أورموزد وأهريمان في الزردشتيّة)، نرى أنّ ٳله الكتاب خيرٌ كله، كما تشهد رسالة يعقوب:

     «وٳذا جُرّب أحدكم فلا يقل: «جرّبني الله، ٳنّ الله لا يجرّبه الشرّ ولا يجرّب أحدًا (...) لا تضلّوا يا أخوتي الأحبّاء، فكلّ عطيّة صالحة وهبة كاملة تنزل من علُ من عند أبي الأنوار، وهو لا تغيّر فيه ولا شبه تبدُل». (يعقوب ١: ١٣ و١٦ - ١٧)

     وبالمعنى نفسه، تعلن رسالة يوحنّا الأولى هذا التأكيد الجازم: «ٳليكم البلاغ الذي سمعناه منه ونبشرّكم به: ٳنّ الله نورٌ لا ظلام فيه» (١ يوحنّا ١ :٥).

     ٢- لأنّه أبٌ للبشر

     ثمّ أنّ المسيح كشف لنا بامتياز، انطلاقًا من خبرته الفريدة، ٳنّ الله ٳنّما هو أب للبشر، والصلاة الوحيدة التي علّمنا ٳيّاها بنفسه تتوجّه ٳلى الله بمناداته «أبانا»، علماً بأنّ الأب الجدير بهذا الاسم ، كما أوضح يسوع، لا يمكن أن يصدر منه شرّ لابنه، بل إنّ همه أن يلبّي حاجاته كلّها، فكم بالحريّ الله:

     «من منكم ٳذا سأله ابنه رغيفًا أعطاه حجرًا، أو سأله سمكة أعطاه حيّة؟ فإذا كنتم أنتم الأشرار تحسنون العطاء لأبنائكم فما أحرى أباكم الذي في السماوات...».  (متّى ٧ : ٩ – ١١)

     «فأيّ أب منكم إذا سأله ابنه رغيفًا أعطاه حجرًا؟ أو سأله سمكة أعطاه بدل السمكة حيّة؟ أو سأله بيضة أعطاه عقرباً؟ فإذا كنتم أنتم الأشرار تحسنون العطاء لأبنائكم فما أولى أباكم السماويّ بأن يمنح سائليه...»  (لوقا ١١: ١١ – ١٣)

     ٣- لأن المصائب ليست عقوبات ينزلها بالأشرار

     أ- تعليم تقليديّ أورده الكتاب...

     صحيح أنّ الكتاب يتداول تعليماً تقليديًّا مفاده أنّ الله ينعم على الصالحين بالخيرات ويعاقب الأشرار بالويلات، وإنّ ذلك يسري على الصعيد الفردي وعلى الصعيد الجماعيّ على حدّ سواء، إذ أنّ شعب الله موعود بالخيرات طالما هو مطيع لله، أمّا إذا انقاد إلى العصيان، فإنّ غضب الله يحلّ عليه، متّخذًا شكل نكبات، كثيرًا ما تكون أدواتها الممالك المفترسة التي تجاور إسرائيل، وعلى الأخصّ أشور ثم بابل، فتغزو جيوشها أرضه وتقتل وتنهب وتدمّر وتسبي. في هذا المنظار يُعتبر غزاة شرسون، على شاكلة نبوخذ نصّر ملك بابل، منفذّين للعقاب الإلهي على الشعوب، إسرائيل أو سواها، يستحقّون لذلك أجرتهم (راجع مثلاً حزقيال ٢١: ١٨ – ٢٠).

     ب- يعارضه توجّه كتابيّ آخر

     ولكنّا نجد أيضًا في الكتاب توجّهًا آخر يعارض التوجّه الآنف الذكر ويضع نقاط استفهام حوله. هذا التوجّه يعبّر عن الصدمة التي تعتري المؤمن أمام مشهد ازدهار الأشرار (راجع مثلًا: أيّوب ٢١: ٧ و٨؛ مزمور ٣٦ (٣٧) و٧٢ (٧٣)؛ ملاخي ٢: ١٧ و٣: ١٣ – ١٥). ويتجرّأ النبيّ حبقوق (الذي عاش في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد) على طرح سؤال جذريّ، فيتجاسر أن يسأل الله لماذا، وهو القدّوس، اختار وحشيّة الكلدانيّين الذين لا يعرفونه ولا يعرفون حقًا سوى قوّتهم ليثأر من يهوذا، الذي رغم خطاياه، بقي أمينًا له، لماذا يستخدم لمعاقبة الشرّير من هو أكثر شرًّا منه، وكأنّه بذلك يساعد على انتصار القوّة الغاشمة المتغطرسة؟ (٥). هذا وإنّ كتاب أيّوب (القرن الخامس قبل الميلاد) مليء باحتجاج صارخ ومرير يبديه أيّوب على الموقف التقليديّ الذي يكرّره أصدقاؤه ونرى في آخر الكتاب (أيّوب: ٤٢: ٧- ٩) أنّ الله يعطيه الحقّ عليهم.

     ج- بيسوع نجد الجواب

     بيسوع نجد الجواب عن هذا السؤال المرير. كان اليهود، في أيّامه، يعتقدون أنّ المصائب تحلّ بالبشر عقاباً لهم على شرورهم (ولا نزال نجاريهم نحن في هذا الإعتقاد عندما يسأل أحدنا، إذا أصابته نائبة: «شو عملت لربّي؟»، أي بماذا أخطأت إليه؟). ولكنّنا نرى يسوع يعارض هذا الإعتقاد، مؤكداً أنّ من حلَّت به نكبة ليس بالضرورة أشرّ من سواه.

  • «وفي ذلك الوقت حضر أناس وأخبروه خبر الجليليّين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم، فأجابهم: «أتظنّون هؤلاء الجليليّين أكثر سائر الجليليّين خطيئة، حتّى أصيبوا بتلك المصيبة؟ أقول لكم: لا (...)، ثمّ أولئك الثمانية عشر الذين سقط البرج عليهم في سلوام وقتلهم، أتظنّونهم أكثر أهل أورشليم ذنباً؟ أقول لكم: لا (...)» (لوقا ١٣: ١ – ٥).

     ومن المصائب الأكثر انتشارًا المرض، لذا كان الناس، في زمن يسوع، يتصوّرونه عقابًا إلهيًّا على الخطيئة، وهو ما كان يضاعف من عزلة المرضى وتهميشهم. أمّا يسوع، الذي كرّس للمرضى الكثير من وقته واهتمامه، وكان يفيض حناناً عليهم ويهبهم الشفاء، فقد عارض صراحة هذا الإعتقاد. فالأعمى منذ مولده الذي صادفه مرّة وأعاد إليه البصر، عيّره الفرّيسيّون قائلين: «أنت كلّك في الخطيئة وُلدت» (يوحنّا ٩: ٣٤). ولم يكن تلاميذ يسوع ببعيدين عن هذا الرأي لمّا سألوا المعلّم عند رؤيتهم الأعمى: «من أخطأ؟ أهذا أم والداه حتّى وُلد أعمى»، فأجاب يسوع قطعًا: «لا هذا أخطأ ولا والداه...» (يوحنّا ٩: ١ – ٣).

     د- يسوع أوضح أنّ الله لا يعادي حتى من يعاديه

     لا بل ذهب يسوع إلى أبعد من ذلك. إذ أوضح أنّ الله لا يعادي أحدًا، حتّى من يعاديه. فهو، كالأب الجدير بهذا الإسم (وأكثر منه بما لا يقاس)، لا يزال يرى بعين الحنان الناس بنيه، جميعهم، ولو عقّوا، ولا ينقطع عن إمدادهم بخيراته، أخيارًا كانوا أو أشرارًا. من هنا دعا يسوع إلى محبّة الأعداء، موضحًا أنّ من أحبّ عدوّه تشبّه بأبيه السماويّ وتصرّف على منواله واستحقّ بذلك أن يكون له إبنًا بالفعل:

  • «أمّا أنا فأقول لكم: أحبّوا أعداءكم وادعوا لمضطهديكم فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات، لأنّه يُطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل غيثه على الأبرار والفجّار.» (متّى ٥: ٤٤ و٤٥).
  • «أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا غير راجين شيئاً، ليكون أجركم عظيمًا وتكونوا أبناء العليّ، لأنّه هو يلطف على الكفّار والأشرار. كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم» (لوقا ٦: ٣٥- ٣٦).

     في آخر المطاف، يعلّمنا يسوع أنّ الله، بالحقيقة، لا يعاقب أحدًا. إن شرّ الإنسان يرتدّ عليه، بالطبع، في الدنيا وفي الآخرة، ولكن ما يبتلى به آنذاك، ليس الله مصدره بحال من الأحوال، إنّما هو ناتج عن اغترابه هو عن نبع الحياة، وضياعه بالتالي في صحراء العدم (٦).

     ثانياً: كيف توجد المصائب إذاً؟

     طالما أن الله، كما رأينا، لا يمكن أن يكون مصدرًا للمصائب، فكيف توجد هذه في عالمنا الراهن؟ هنا لا بدّ لنا أن نتدرّج في سياقٍ فكريّ متأنٍّ ليتسنّى لنا أن نلقي بعض الضوء على هذه المشكلة.

     ١- الكون متمايز عن الله

     كثيرًا ما ننزع تلقائيّاً إلى رؤية فعل الله بشكل مباشر وراء كلّ ظاهرة من ظواهر الكون. فإذا كان الطقس عاطلًا بشكل لافت وغير اعتياديّ، نسمع أناساً يهتفون:«هذا غضب»! (والمقصود غضب الله)، وكأنهم يرون وجه الله في صفحة السماء المتجهّمة ويقرأون عليه الغضب ورغبة إلهيّة في الإقتصاص من معاصي البشر. ذلك أنّ السماء تبدو لنا تلقائيًّا وكأنّها «وجه الله»، وبالتالي يتراءى لنا كلّ عدوان نتلقّاه منها وكأن الله مصدره، ألا يقول أحد الناس إذا أراد أن يخرج إلى الهواء الطلق:«بدّي شوف وج ربّي» (أي: أريد أن أرى وجه ربّي).

     وقد لا نفطن إلى أنّ في هذا التماهي الذي نقيمه بين ظواهر الطبيعة وبين الله، كثيرًا من التسرّع. فصحيح أنّ «الأرض كلّها مملؤة من مجده» (إشعيا ٦: ٣)، أي من حضوره المشعّ الذي لولاه لما كان ولما استمّر شيء من الموجودات، ولكن الله ظاهر في حضوره في الكائنات، ومحتجب بآن، بحيث أنّه «لم يره أحد قط» (يوحنّا ١: ١٨) و«ما نظر إليه أحد» (١ يوحنّا ٤: ١٢). فهو حاضر كلّ الحضور في الكائنات ومتمايز عنها كلّ التمايز بآن.

     ٢- ما لا يعني أنّ الله أوجد الكون ثم تركه وشأنه

     تمايز الله هذا لا يعني أنّه خلق الكون ثم تركه وشأنه، كما كان يعتقد فولتير Voltaire مثلًا، الذي كان الكون، بالنسبة ٳليه، بمثابة ساعة جداريّة عملاقة، ركّنها ساعاتيّ ٳلهيّ (٧)، ثم تركها تدور لوحدها. فهذا نظرة سطحيّة ومبتورة ٳلى عمليّة  الخلق تجعل، خطأً، توازيًّا بينها وبين الصناعة البشريّة، في حين أنّ الحقيقة هي أنّ الكائنات كلّها لا تثبت في الوجود، لحظة بعد لحظة، ٳلاّ بعمل الله الدائم: «ٳننّا به نحيا ونتحرّك ونوجد» (أعمال الرسل ١٧: ١٨) (١٨).

     ٣- بل معناه إنّه يمدّ بالوجود في كل لحظة، كونًا مختلفًا عنه

     المعنى الحقيقي لتمايز الله عن الكون، هو أنّ الله يمدّ بالوجود، في كل لحظة، كونًا مختلفًا عنه. فوجود الله ثابت، راسخ. إنّه يستمدّ وجوده، لا من عنصر خارج كيانه، بل من ذاته هو إذا صحّ التعبير. إنّه موجود حكمًا، بالضرورة. أو كما كان يقول الفلاسفة القدامى «واجب الوجود». إنّه، كما سمّاه القرآن، «الصمد»، أي المستقل عن كلّ حاجة فيما الجميع بحاجة إليه (٩)، والذي، بالتالي، لا يحتاج إلى أحد ليكون: «قل الله أحد، الله الصمد» (سورة الإخلاص ١١٢: ١ و٢). إنّه ملء الوجود، الذي لا ثغرة في وجوده ولا تحوّل. في حين أنّ وجود الكون هشٌّ متقلب، معرّض للإنهيار، قابل للزوال:

     «يا ربّ في البدء أنت أسست الأرض والسماوات هي صنع يديك، هي تفنى وأمّا أنت فتبقى. وكلّها كالثوب تبلى، وتطويها كالرداء فتتبدّل، أمّا أنت فتبقى كما أنت وسنوك لا تفنى». (مزمور ١٠١: ٢٥ – ٢٧).

     هذا لا ينطبق فقط على الكائنات الحيّة، بما فيها الإنسان الذي «كالعشب أيّامه وكزهر الحقل كذلك يزهر، لأنّه إذ هبّ عليه الريح يتلاشى...» (مزمور ١٠٢: ١٥ و١٦). بل يتعدّاها إلى أصلب الجوامد في الظاهر. فالشموس، كما هو معروف، تولد وتموت، والجبال وليدة انتفاضات تعتري القشرة الأرضيّة وقد تطيح بها اختلاجات أرضيّة أخرى. والذرات التي تبدو وكأنّها أثبت ما في الوجود، لأنها بمثابة قماش المادّة (ولذا سُميت atome التي تعني، باليونانيّة، ما لا يمكن فكّه)، تركّبت بالفعل، كما نعلم اليوم، انطلاقاً من الغبار الكونيّ الأوّل، كما أنّها قابلة للتلاشي بفعل انفجار نوويّ...

     ٤- الكون يحمل إذًا بصمات العدم الذي منه يأتي وإليه يذهب

     هذا الكون المتقلّب الذي لا شيء فيه موجود حكما وبداهة، بل كلّ شيء فيه يأتي ويزول، هذا الكون يبدو إذًا، بجملته، وكأنه لا يملك في ذاته مبرراً كافياً يفرض وجوده. فبما أنّه قابل للتبدل والزوال، فقد كان ممكنًا إذًا أن لا يوجد البتة. وجوده هو، بالتالي، محتمل جائز وحسب، إنّما لا يحتّمه شيء. إنّه غير موجود بالضرورة بل بمجرّد الإتفاق، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريّاً، عبّر عنه الفيلسوف الألماني المعاصر هيديغر Heidegger بقوله الشهير: لماذا يوجد شيء في حين انّه كان ممكنًا أن لا يوجد شيء البتّة؟

     Pourquoi y a-t-il quelque choses plutôt que rien?

وكان هذا الفيلسوف وغيره من الفلاسفة الوجوديّين الملحدين المعاصرين لا يرون لهذا الوجود الذي يتساءلون عنه، مبرّر. كان سارتر مثلًا عندما يتأمل الأشياء، يرى أنها موجودة عرضًا de trop، وأن هذا الوجود الذي لا مبرّر له يثير ما يسميه "الغثيان"، وهوعنوان ٳحدى رواياته التي تسرد خبرة من هذا النوع عاشها بطلها Roquentin (١٠). ويخلص ٳلى أنّ هذا الوجود غير المبرَّر ٳنّما هو ضرب من العَبَث absurde، وأنّ الٳنسان الذي وحده يعي هذه العبثيّة لكونه ذاتًا existant وليس مجرّد شيء يعاني من رؤيتها تخترق وجوده كلّه.

 “L´existant naît sans raison, se prolonge par faiblesse et meurt par rencontre”

المؤمن يرى غير ذلك، يرى أن ذلك الوجود الكونيّ، ٳنما ينتقل من مجرّد احتمال ٳلى حقيقة راهنة، لا عبثًا وبدون مبرّر، بل بأعجوبة دائمة (١١)، من فعل من هو واجب الوجود، أي الله. فالكون ليس ٳذاً امتدادًا لله، كما كان يتصوّرالأقدمون، فيتعبّدون مثلًا لعناصر الطبيعة لعدم تمييزهم بما فيه الكفاية بينها وبين الألوهة التي كانوا يشعرون أنّها تتجلّى فيها، ٳنّما، (كما توضّحَ في التراث الكتابيّ، في سفر المكابيّين الثاني الذي يعود ٳلى القرن الثاني قبل الميلاد، راجع ٢ مكابيّين ٧: ٢٨)، قد خرج – أو بالأحرى يخرج في كلّ لحظة («أبي حتَى الآن يعمل» يوحنّا ٥: ١٧) – من العدم، أي من لا شيء، بفعل قدرة الله الخلّاقة، التي تحوّل أبدًا ما كان محتمل الوجود، جائز الوجود وحسب، ٳلى موجود فعلًا، وكأنّها تُجيزه، في كلّ لحظة، الهوّة القائمة بين العدم والوجود.

     ويبدو لي ٳنّ الفكر الأسطوريّ القديم أراد أن يجسّم على طريقته انتقال الكائنات هذا من العدم ٳلى الوجود، الذي كان موضوع حَدَس مبهم لدى الٳنسان، فصوّره بشكل صراع حسّي بين الألوهة وبين كائنات اتُخذت تجسيدًا لعَدَم يستحيل تجسيده في حقيقة الحال. لأنّه، تحديدًا، غير موجود. فتحدّثت أساطير بابل عن الصراع بين الٳله الخالق مردوك، والوحش البحريّ تيامات (١٢) الذي يمثّل الخواء الأوّل الذي أخرج مردوك الكائنات منه (١٣). وقد ترك هذا التصوّر الأسطوريّ آثاره في الكتاب المقدّس، بسبب التقارب الجغرافيّ للحضارات في الشرق الأرسط القديم، فصُوّر الله فيه أحيانًا، شعبيًّا وشعريًّا، على أنّه قاهر البحر ومخضعه لسلطانه بما يحويه من وحوش أمثال راحاب، بهيموت ولوياثان، التي ورد ذكرها في سفر أيّوب (المكتوب في القرن الخامس قبل الميلاد) والتي تجسّد الخواء الأوّليّ (١٤)، وهو بدوره صورة للعدم كما يتراءى لي...

     ولكنّ الكائنات التي ينتشلها الله في كلّ لحظة من العدم الذي لولاه كان استحوذ عليها، لا تتحوّل ٳليه، لا تكتسب وجوده الكامل المطلق (ٳذ كيف تكتسبه وهي، بحد ذاتها، ممكنة الوجود، ليس ٳلّا). ٳنّها لا تزال، وقد صارت موجودة، موصومة ببصمات العدم الذي منه خرجت، مشدودة بينه وبين الوجود الذي دُعيت ٳليه، تعاني من هشاشة كيانيّة هي بمثابة البصمات التي تركها العدم فيها، تختلف جذريًّا عن الله الكامل لأنها لا محالة ناقصة يعوزها ملء الوجود (١٥)، صحيح أنّها دنيا الله لأنه مبدعها، ولكنّها مع ذلك لا تتعدّى كونها «دنيا»، بمعنى الوجود المتدنّي، القابل للعطب والخلل والاضطراب، القابل بالتالي ليكون مسرحًا لكل أنواع الشرّ ومنها المصائب والنكبات.

     الشرّ والمصائب في الكون ناتجة ٳذًا عن أنّ الكون لا يخرج من ذات الله وليس هو امتدادًا لوجوده، ولكنّه يخرج، بفعل الخلق، من العدم الذي يترك فيه بصماته. كون العالم خليقة الله، وليس فيضًا منه (كما كان يتصوّر الفلاسفة الأقدمون)، يحتّم ٳذاً ملازمة الشرّ له. يقول جاك ماريتان بهذا المعنى: «ٳنّ وجود الشرّ في الكون يعني، في آخر المطاف، ٳذا كنّا نعرف معنى ما نقوله، ٳنّ العالم مخلوق» (١٦).

     ٥- لكن لماذا لم يفرض الله على العالم، الناقص بطبيعته، كمالًا ينفي منه الشرّ؟

     ولكن، أما كان ممكنًا لله، وهو كليّ الاقتدار، أن يفرض على هذا الكون الناقص بطبيعته، الكمال الذي يشاؤه هو، فتنتفي هكذا منه كلّ شائبة ومصيبة؟

     قد يكون هذا الاحتمال معقولًا من ناحية نظريّة، ولكنّ الواقع ٳنّ فرضًا كهذا يتنافى مع طبيعة الله التي عرفناها بيسوع المسيح، وهي أنّه «محبّة» (يوحنّا ٤: ٨ و١٦). فلو فرض الله على هذا الكون كمالاً منافيًّا لطبيعته، لما عاد هذا الكون كونًا، بل بات مجرّد مسرح لٳرادة الله، أداة طيّعة بالكلّيّة لهذه الٳرادة، مجموعة دمى تحرّكها خيوط المشيئة الٳلهيّة. فما عاد، والحالة هذه، كائنًا قائمًا بذاته، له كيانه الخاصّ، بل أضحى مجرّد ظلّ الله، سرابًا يتراءى ولكن لا حقيقة له ولو كانت له مظاهرها (أي ما نسميه بالعامية «خيال صحراء»). كان الكون، في هذا الاحتمال، فقد تمايزه عن الله، فبقي الله موجودًا وحده بالفعل حيال كون ليس له سوى شكل الوجود ومظهره. لذا يقول اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعاصر توماس هوبكو: «أمّا أن يكون كون يوجد الشرّ فيه، وأمّا أن لا يكون كون البتّة» (١٧).

     ولكنّ الحبّ الحقيقيّ يأبى أن يذيب المحبوب في ذاته، أن يلغيه بالتالي من حيث هو كائن متمايز عنه، بل يرغب على العكس أن يقيمه في وجوده الذاتي، أن يؤكد هذا الوجود المختلف ليدخل معه في علاقة حقيقيّة تكون علاقة بآخر وليس تأملًا للنفس في مرآة. لذا فٳن الله كونه «محبّة» بامتياز في جوهره، يريد الكون قائمًا بذاته، وٳن لم يكن ممكنًا أن يوجد من ذاته. فهو ٳذاً يمدّه بالوجود وينسحب منه بآن، يتوارى عنه، لكي يتاح لهذا الكون أن يكون موجودّا بالفعل وليس مجرّد ظلّ لوجود الله. بعبارة أخرى، الله يمدّ الكون بالوجود ليكون لهذا الكون وجوده الخاصّ لا ليذيبه في وجوده هو.

     من هذه الناحية يمكن القول أنّ الله، في خلقه للكون، يمارس قدرته الكلّيّة (بٳخراجه الكون من العدم) من ناحية، ولكنّه يحدّها، يقيّدها، من ناحية أخرى، كي لا يذوب الكون فيه يل يتاح له ان يتمايز عنه. هكذا يمكننا أن نفهم العبارة الواردة في سفر الرؤيا، عن «حمل الله»، بأنّه «مذبوح منذ ٳنشاء العالم» (رؤيا ١٣: ٨)، والتي تعني أن الله (الذي كشف ذاته كلّيًّا لنا في «حَمَلِه» يسوع) قبل في ذاته، منذ أن أوجد الخليقة، انسلاخًا أشبه بالجرح العميق (كان يرسم مسبقا صورة «الحمل» الذبيح على الصليب، كما سوف نرى)، قبل بموجبه أن يتراجع عن ممارسة اقتداره الكلّيّ، ٳفساحاً لوجود كائن ٳزاءه، قائم بذاته ومتمايز عنه مع ٳنّه مستمدّ وجوده كلّيًّا منه. علمّا بأنّ هذا التراجع الطوعيّ عن الاقتدار لا ينتقص من الاقتدار بل يؤكدّه بشكل منقطع النظير لأنّه يوضح أنّ الله مقتدر على اقتداره نفسه، كما أشار الفيلسوف الوجوديّ المسيحيّ سورين كيركفرد (١٨).، ٳذ أنّ بوسعه أنّ يعلو عليه حبًّا.

     هذا ينطبق خاصة على خلق الٳنسان، ذلك الكائن العاقل الذي توّج به الله الكون، وعلاقة الحبّ التي تجمعه بالكون، بٳيجاد كائن قادر أن يبادله الحبّ وأن يكون شريكًا له. كان لا بدّ بالتالي أن يبلغ تمايز هذا الكائن عن الله ذروته، فيتسم حياله بحرّيّة تسمح وحدها له بأن يتجاوب مع حبّ ربّه بحبّ، لا يستقيم ٳن لم يكن طوعيًّا. ولكن هذه الحرّيّة، في كائن ناقص على شاكلة الكون الذي ينتمي ٳليه، كان لا مناص لها من أن تكون هشّة، مشوبة بالٳزدواجيّة، بوسعها أن تجيب على حبّ الله بحبّ ينمي ويحيي، وأمّا أن تنقاد ٳلى بصمات العدم التي تحملها*. فتنطوي على محدوديّتها وترتمي في رفض الله ولمن وجدوا على صورته، وحتّى لدنيا الله، التي لا نرى فيها سوى مطية لمطامحها، وفريسة لجشعها، رفضًا يدمّر ويميت عبر حروب ومجازر ومظالم واستغلال واستعباد وتجويع وتخريب انتحاريّ للبيئة، ٳلى ما هنالك من ويلات.

     ثالثاً: هل يتخذ الله من المصائب موقف المتفرّج؟

     لكن هل يبقى الله متفرّجًا، من عليائه، على مصائب الكون؟

     ٳنّ هذا لمستحيل، بالطبع، لأنّ «الله محبّة».

     فٳنّه، وهو الذي بداعي محبته، يرتضي أن يقيّد قدرته الكلّيّة مراعاة منه لتمايز الكون، تدفعه هذه المحبّة، من جهة، ٳلى مشاركة الكون في المعاناة النابعة من نقصه الأساسيّ، ومن جهة أخرى، ٳلى العمل الدؤوب للسير بالكون نحو اكتمال لا يفرض عليه اعتباطيًّا من الخارج، بل يتدرّج ٳليه انطلاقًا من الطاقات الكامنة فيه، بمؤازرة فعل الله الخلّاق ورعايته الدائمة. اكتمال لا يُسبغ عليه دفعةً واحدة بشكل فعل سحريّ يغتصب الكون ويتنكّر لخصائصه. بل يأتي وليد نموّ لهذه الخصائص عبر مسيرة زمنيّة تسمح بتفتّق الامكانيّات واتّساقها، ويأتي فيها كل شيء في أوانه.

     ١- الله يعاني مع الكون

      أ- الله يعاني بسبب حبّه

     هل يتألّم الله؟

     الفكرة السائدة تقليديًّا هي أنّ الله فوق الألم، لأنّه أعلى من أن يُطال من أيّ أذى أو ضرر أو ٳنتقاص، ولأنّه فوق كلّ حاجة أو عَوَز أو حرمان. هذا صحيح، ولكنّه يهمل أمرًا محوريًّا. وهو كون «الله محبّة»، وكون المحبّ يتماهى تلقائيًّا بالمحبوب، ويهمه كلّ ما يهم المحبوب ويمسّه، ويشارك، بالتالي، في كلّ ما يعانيه هذا المحبوب من نقص وحاجة وضرر وضيق وألم.

من هنا ٳنّ الله، وٳن كانت لا تطاله مصيبة، يعاني، حبًّا، بشكل يستحيل علينا تصوّره (كون الله يفوق كلّ تصوّر)، من مصائب الكون، وبنوع أخصّ، من مصائب الٳنسان، الذي خصّه بصورته واتّخذه بالتالي حبيبًا بامتياز. لذا يتجرّأ المطران كاليستوس وير فيقول «ٳنّ دموعه تنضم ٳلى دموع الٳنسان»(١٩). لا بل يمكن أن نقول ٳنّه، لكونه يحبّنا أكثر ممّا نحبّ أنفسنا، ٳلى حدّ أنّه، كما علّمنا يسوع، يهتّم بكلّ شعرة من شعرات رؤوسنا. («لا بل شعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه»؛ لوقا ١٢: ٧ ومتّى ١٠: ٣٠)، فٳنه بالتالي يعاني من آلام كلّ واحد منّا أكثر ممّا نعاني نحن.

     هذا ما أخذ لاهتيّو اليوم يعونه ويعبّرون عنه بشكل متعاظم (٢٠). ولكنّ هذه الصحوة ليست جديدة بالكلّيّة بالنسبة ٳلى التراث الآبائيّ، ٳذ ٳنّنا نجد عند أحد الآباء الشرقيّين العظام، مكسيموس المعترف، الذي عاش في القرن السابع، هذه العبارات المذهلة بالنسبة لعصرها: «ٳن الله بداعي حنانه، يتألّم حتّى نهاية الأزمنة، بصورة يحتجز علينا ٳدراكها، على مقدار ألم كلّ واحد منّا»(٢١).

     وكأنّه بذلك يجيب سلفًا على السؤال الذي طرحه المطران كاليستوس وير في أواخر القرن العشرين: «هل يحقّ لنا أن نقول لهذا الرجل أو لهذه المرأة اللذين يتألّمان، ٳنّ الله نفسه، في هذه اللحظة بالذات، يعاني ما أنت تعاني منه...؟» (٢٢).

     الله لا يصطفّ إذًا مع نواميس الكون الساحقة والماحقة للأحياء وللٳنسان، كما كان يتصوّر ذلك الرجل (وكثيرون غيره دون ريب) الذي، بعد أن وصله خبر أحد الزلازل الكاسحة، أسرَّ ٳليَّ، بمزيج من الرهبة والٳعجاب، ٳنّ الله محا تلك المدينة محوًا وساواها بالحضيض، في حين أنّ الله لم يكن بالفعل في الزلزال (٢٣)، بل في ضحايا الزلزال، متماهياً، بحنانه العجيب، مع نكبتهم وموتهم وتشريدهم. «ليس الله مقتدرًا على شاكلة القوى الكونيّة والاجتماعيّة، على شاكلة الطغاة والأعاصير»، يقول أوليفيه كليمان(٢٤)، ٳنّه ٳلى جانب ضحاياها. في روايته الشهيرة «الأخوة كارامازوف»، صوَّر دوستويفسكي ٳلحاد أحد هؤلاء الأخوة، وهو ٳيفان، الذي يرفض الله لأنّه رأى فيه مؤيّدًا ومكرّسًا لترتيب للكون يحكم بالألم على طفل بريء. ولكن الفيلسوف الكبير الأرثوذكسيّ المعاصر نقولا بردياييف ردَّ على اعتراض ٳيفان هذا بقوله ٳنّ الله لا يتجلّى في ترتيب للكون يُتّخّذ حجّة لتبرير ألم طفل بريء، ولكنّه يتجلّى في «الدموع التي يسكبها ذلك الطفل»(٢٥). وهو ما يذكرّني بعبارات أحدهم، حيث كان أسيرًا في أحد معتقلات الٳبادة النازيّة وشاهد بأم عينيه ٳعدام أحد الأسرى، وهو عاجز كلّيًّا عن منع ذلك، فتساءل بمرارة : أين الله في كلّ ذلك؟، فسمع في قلبه جوابًا مفاده أنّ الله ٳنما هو بالضبط في ذلك الٳنسان الذي أُنزل به الٳعدام.

     ب- تعابير من العهد القديم عن معاناة الله

     تماهي الله هذا مع ألم الناس، نراه يبرز منذ العهد القديم. لقد رأينا أنّ مقاطع كثيرة من الكتاب المقدّس، في العهد القديم، يُفهم منها وكأنّ الله يُرسل النكبات لشعبه، معاقبة له على خطاياه. ولكن هذا ليس لبّ الوحي، كما أدركناه لاحقًا في ضوء يسوع. لبّ الوحي يتجلّى في مقاطع تعبّر عن تماهي الله مع الويلات التي تصيب شعبه، كما يتماهى الأب، وبالأخص الأم، مع معاناة طفلهما.

     ففي نبوءة هوشع (القرن الثامن قبل الميلاد)، يتكلّم الله عن خيانة شعبه (الذي يدعوه هنا ٳفرائيم) له، وعن المآثم التي توغّل هذا الشعب فيها، ولكنه لا يقوى على التفكير بٳنزال غضبه بهذا الشعب العاقّ، ٳذ يتذكّر كيف ربّاه ورعاه بحنان الأم.

     «أنا دَرَجت افرائيم وحملتهم على ذراعي (...) بحبال البشر، بروابط الحبّ اجتلبتهم وكنت لهم كمن يرفع الرضيع ٳلى وجنته وانحنيت عليه واطعمته (...) كيف أهجرك يا ٳفرائيم (...) قد انقلب فيَّ فؤادي واضطربت أحشائي. لا أطلق حدّة غضبي ولا أعود ٳلى تدمير إفرائيم، لأنّي أنا الله لا إنسان...» (هوشع ١١: ٣ – ٩).

     أمّا في نبؤة زكريا (القرن السادس قبل الميلاد)، فقد سمع النبيّ الله يقول عن شعبه الذي تعرّض لغزوات أمم أخرى وتنكيلها به، عبارة نلمس فيها منتهى التماهي والحنان «من يمسّكم يمسّ حَدَقة عيني» (زكريا ٢: ١٢). هنا نلمس الضيق الشديد détresse الذي، على حدّ تعبير الفيلسوف المعاصر عمانوئيل لافيناس Levinas (٢٦)، يعاني منه الله، على طريقته التي تفوق تصوّرنا، حيال شرّ الكون.

     ج- معاناة الله مع الكون تجلّت بأجلى بيان في صليب يسوع

     هذه المعاناة الإلهيّة، إنما هي، كما رأينا، نتيجة طبيعيّة لحبّ الله للكون، ولكن هذا الحبّ «الجنونيّ»، على حدّ تعبير مكسيموس المعترف ونقولا كاباسيلاس، وبعدهما في عصرنا، بول أفدوكيموف، الذين نعتوه بهذه الصفة لأنه يتجاوز ويخالف كلّ مقاييسنا (هكذا نفهم ما قاله هوشع بلسان الله: «لأنّي الله لا إنسان» الذي ذكرناه آنفاً)، هذا الحبّ «الجنونيّ» تجلّى بأجلى بيان في صليب يسوع، الذي به شاء الله أن يذوق في إنسانيّة «الحبيب» كلّ عجز الإنسان أمام القوى الجبّارة، من كونيّة واجتماعيّة، التي تتآزر عليه لتسحقه، أن ينحدر إلى جحيمنا ويتجرّع مرارته حتّى الثمالة، حتّى ذلك الخوف والضيق النفسيّ المبرّح اللذين يعتريان الإنسان إذا تعرّض لأقسى الشدّة والكرب («وجعل يستشعر رهبة وكآبة. فقال لهم: نفسي حزينة حتّى الموت...» (مرقس ١٤: ٣٣ و٣٤) (27)، حتّى خبرة التخلّي الإلهيّ الرهيبة ("إلهي، إلهي، لماذا تركتني" مرقس 15 :34)، وأن يذوق، وهو القويّ، «منتهى الضعف الذي هو الموت» (٢٨)، لا بل أن تكون ميتته من أقسى الميتات التي ابتكرتها الوحشيّة البشريّة وأكثرها إذلالًا، تلك التي كان المتربّعون على السلطة ينزلونها بالمحتقَرين والمزدرى بهم من الناس، بالفقراء والعبيد.

         بذلك قلب اللّه كلّ المفاهيم الشائعة التي نسقطها عليه. إذ كما يقول المطران جورج خضر: "لماذا تطغى صورة الإله الجبّار والقدير الذي يزلزل الجبال ويجعلها تدخّن؟ لماذا يبدو علينا عزيزًا قابضًاعلى السماوات والأرض؟ ما أوحى إلينا أنّه لم يقبض على العالمين إلاّ بهاتين الذراعين الداميتين المبسوطتين على الصليب"(29).

     د- الله لا يزال «مصلوبًا على شرّ الكون»

     يقول المطران كاليستوس وير: «يقال بحقّ إن صليبًا كان في قلب الله قبل أن يُنصب صليب آخر بالقرب من أورشليم. لقد رُفع الصليب الخشبيّ من مكانه، ولكن الذي كان في قلب الله مستمرّ.» (٣٠) فالله، كما يردّد أوليفيه كليمان، لا يزال «مصلوبًا على شرّ الكون» (٣١)، ولا يزال، على حدّ تعبير الكاتب نفسه، يتلقّى الشرّ بملْ وجهه، كما كان يسوع يتلقى معصوب العينين، صفعات أجلاف الجند (٣٢)، لذا حُقّ للكاتب المسيحيّ Léon Bloy  (١٨٤٦ – ١٩١٧) أن يصوغ هذه العبارة التي طالما استشهد بها برديلييف: «إنّ وجه الله تسيل منه الدماء في الظلمة.»(٣٣).

La face de Dieu ruiselle de sang dans l'ombre

     ٢- الله يكافح شرّ الكون

     ولكنّ الله لا يعاني من شرّ الكون وحسب. إنّ حبّه الذي يجعله، كما رأينا، معانيًا في الصميم من شرّ الكون، هذا الحبّ عينه يحرّكه لمكافحة الشرّ دون هوادة.

     أ- خطّ الله هو خطّ مكافحة الشرّ لا تبريره

     لقد رأينا أنّ يسوع، لمّا سأله تلاميذه عن سبب كون إنسان قد وُلِد أعمى، وهل أن هذا يعود إلى خطاياه أو خطايا والديه، نفى أن يكون أيّ من هذين الافتراضين قد تسبّب في حرمان الرجل من البصر. بيد أنّه، بعد ذلك، أضاف هذا التعليل المذهل: «لكن وُلِد أعمى لتظهر فيه أعمال الله» (يوحنّا ٩: ٣).

     وتعلّق فرانس كيريه France Quéré، وهي لاهوتيّة بروتستانتيّة فرنسيّة معاصرة، على هذا الجواب، بالعبارات القويّة الآتية:

     «لم ينطلق جواب قطّ بمثل هذه الضمّة gerbe من الحرّيّة والجرأة: «إنّه أعمى ليتجلّى مجد الله» (...).

     «غريب جواب يسوع، الناس كانوا يسألون عن السبب، أمّا هو فأعطى الهدف. المصيبة إذ ذاك تستضيء بالغاية التي تحدَّد لها. الله ليس في المصيبة، إنّه في علاجها. إنّه العلاج بالذات أمام ذي العاهة. يتباحث التلاميذ، أمّا يسوع فيشفي». (٣٥)

     يسوع يعلن هنا باسم الله إنّ الشرّ ليس له ما يبرّره، وإنّه إنّما وُجد لتتم مكافحته وتجاوزه، وأنّ الله مكافح للشرّ لا مفسّر له أو مبرّر، وأنّنا بالتالي، مدعون إلى مكافحته معه.

     ويؤكّد الفيلسوف الفرنسيّ، البروتستانتيّ الانتماء، الذي رحل مؤخرًا، بول ريكور Paul Ricoeur، إنّ تلك هي فحوى مسيرة الكتاب المقدّس كلّه، من التكوين إلى الرؤيا (٣٦).

     الله لا يقف إذًا عند حدّ مشاركته للكون، وعلى الأخص للإنسان، في معاناته، إنّه أيضًا يعمل على تحييد «بصمات العدم»، التي تتخلّل الكون لا محالة كما رأينا وتشيع فيه الشرور على أنواعها. وكما إنّ الأب الأصيل لا يفرض على ولده رشدًا مبكرًا – وبالتالي مصطنعًا – بل يدعم ويوجّه بخفَر نموّه التلقائيّ نحو الرشد، كذلك فإنّ الله يعمل منذ البدء، ولا يزال، على توجيه الكون، دون اقتحامه أو التنكّر لخصائصه، إلى تجاوز نقصه، والسير، انطلاقًا من أوضاعه الراهنة، وبموجب ما يحويه من مقوّمات ذاتيّة، في معارج التقدم والرقي والاكتمال. إلى هذا العمل الخَفِر الدؤوب أشار يسوع بقوله: «أبي حتّى الآن يعمل وأنا أعمل» (يوحنّا ٥: ١٧).

     وكما أن الأب (وكذلك الأم) الواعي، الذي يعرف كيف يحبّ (لأن «من الحبّ ما قتل») حاضر كلّ الحضور إلى جانب ولده القاصر ليمدّه، عند الحاجة، بكلّ ما لديه من طاقات وخبرة، ولكنّه متوارٍ أيضًا، يسمح له بأنّ يجرّب الأشياء بنفسه وأن يتعثّر من جرّاء ذلك ويخطئ، لئلاّ يلغي ذاتيّته ولكي يسمح له أن يكون فعلًا وأن يصنع مصيره بنفسه، كذلك يحرّك عمل الله باستمرار نحو الأكمل والأفضل، إنّما انطلاقًا من الكون وخصائصه، وكأنّه يختفي وراء هذه الخصائص ليسمح للكون بأن يوجد فعلّا لا شكلًا وبأن يصنع نفسه بنفسه إلى أبعد حدود ما يتاح ذلك للخلق. لذلك سمّته طقوسنا الأرثوذكسيّة «الإله الخفيّ» (خدمة سحر الجمعة العظيمة) مرجّعة صدى كلمة يسوع عندما أشار إلى أبينا «الذي في الخفاء» (متّى ٦: ١٨)، على أنّ هذا التخفّي هو على نقيض الغياب الذي كثيرًا ما ننسبه بخفة إلى الله. هكذا تحوّل قدرة الله المتأنّية، الحنونة، معاناة الكون، بما فيه من تخبّط واضطراب وويلات ومصائب، إلى ما سمّاه يسوع، ومن بعده الرسول بولس، «مخاضًا» (٣٧) يطلّ في آخر المطاف (عند ما يسمّى ب«نهاية الأزمنة») على كون متجدّد تُمسح فيه كلّ دمعة ويُنتفى منه كلّ ألم وموت وفساد.

     هذا العمل الإلهيّ الدؤوب يندرج في خطّين متداخلين: خطّ الخلق وخطّ الفداء.

     ٢- خطّ الخلق

     فالكون كما يراه العلم اليوم، ليس شيئًا جامدًا وُجد مرّة واحدة وانتهى الأمر. إنّه مشروع هائل الحجم انطلق منذ حوالي ١٥ مليار سنة، من شبه لا شيء، من كتلة بالغة الصِغَر والكثافة انفجرت big bang وأخذت تتمدّد فأنشأت المدى وما يتألّف منه المدى من كائنات بدأت بأبسط الأشكال ثمّ تطوّرت تدريجيًّا إلى أكثرها دقّة وتعقيدًا، في مسيرة تصاعديّة مذهلة لا بدّ للمؤمن، بدلًا من أن ينكرها (كما يفعل المتزمّتون بناء على قراءة حرفيّة للكتاب)، أن يرى فيها يد الله تعمل بحكمة وخَفَر، متوارية كعادتها، وراء تفاعل العوامل الطبيعيّة التي اكتشفها العلم، ولا يزال بصدد اكتشاف المزيد منها، وحتّى وراء تعاقب الصُدَف التي أسهمت، على عشوائيّتها الظاهرة، في رسم ذلك الخطّ التصاعديّ. وإذا بغبار المادّة البدائيّة يتركّز ويتكثّف مع الزمن فينتج جسيمات تجمّعت في ذرّات ثمّ في جزيئات تكوّنت من تلك الذرّات وتزايد تعقيدها وتنسيقها إلى أن سمح ببروز الخليّة، ذلك الكيان الذي، رغم كون حجمه مجهريًّا، يفوق الشمس تركيبًا وتنسيقًا، والذي تحقّقت به الفقزة المذهلة من الجماد إلى الحياة. ثمّ تجمّعت الخلايا وترابطت وتخصّصت وظائفها وتآزرت، فبرزت أجسام متكاملة الأجهزة، يتحكّم بها وينسّق وظائفها ويوجّه تفاعلها مع المحيط الخارجيّ جهاز عصبيّ مركزيّ تمتدّ تفرّعاته إلى الجسم كلّه، هو الدماغ الذي تطوّر وارتقى حجمًا وتنظيمًا حتّى بلغ ذروة تشعّبه وتركيزه لدى الإنسان حيث يضمّ حوالي مائة مليار من الخلايا* بإمكان كلّ منها أن تمدّ عددًا من الاتّصالات قد يصل إلى العشرة آلاف (٣٨)، وهو ما يجعل منه شبكة الكترونيّة هائلة التعقيد، عجيبة التفاعل. فكانت، بفضل ذلك، قفزة الفكر الذي يخوّل الإنسان، وهو وليد الكون، أن يستوعب الكون بوعيه وينظّمه ويضبطه وينمّيه ويجمّله ويؤهّله أكثر فأكثر لسكناه وحاجاته، وكأنّه خليفة الله على الأرض، كما يقول القرآن، ملتقيًا بذلك مع ما ورد في مطلع سفر التكوين من توكيل الله للإنسان كي يسوس الأرض (تكوين ١: ٢٨).

     وبهذه الصفة أضحى الإنسان قادرًا أن يحدّ من مساوئ الكون وأضراره، وكأنّ الله يواصل إصلاح الدنيا وترتيبها من خلال هذا الكائن الذي اصطفاه وأقامه وكيلًا له وجعله، بصورة ما، مشاركًا له في الخلق. فإذا الإنسان، بالطبّ وعلم الصحّة اللذين يستنبطهما بالعقل الممنوح له من الله، يكافح الأمراض (٣٩)، كما أنّه يحمي الحياة من الأخطار التي تكتنف بدايتها (٤٠)، ويطيلها أكثر فأكثر (٤١)، مضطرًّا الموت، الذي يتأكلها لا محالة، إلى التقهقر في المجالين اللذين كان بطشه يبلغ فيهما ذروته، أي في أوّلها السريع العطب وفي الفترة المتقدّمة منها. وهناك جبهات أخرى عديدة يحارب فيها الإنسان الشرور التي تأتيه من اضطراب عوامل الكون ويحرز عليها انتصارات متعاظمة، فهو مثلًا يكافح الجفاف ببناء السدود للحؤول دون هدر الماء وتوفير الريّ، ويكافح الفيضانات بتوسيع مجاري الأنهار وبتحويل هذه المجاري إذا اقتضى الأمر، ويحتاط للزلازل بأنماط من البناء تحدّ من تأثيرها المدمّر...

     ٣- خطّ الفداء

     أمّا في خطّ الفداء، فقد تجلّى حبّ الله «الجنونيّ» بأجلى تعابيره، إذ ارتمى الله، بيسوع المسيح، في أقسى مخاض الكون، ليشاركنا به من جهة، وليزرع فيه من جهة أخرى، طاقة التحرّر والانعتاق، فارتضى أن يكون هو نفسه ضحيّة انحراف الحرّيّة البشريّة إلى حدّ رفضه منها حتّى القتل. فيلج من هذا الباب إلى عالم آلامنا وموتنا نحن، بأبشع مظاهره. فقد دخل الله، عبر صليب يسوع، إلى قلب شرورنا ومصائبنا، فصار بإماتته ظلمًا، ضحية تلك الشرور، وبآلامه وموته، شريكًا في تحمّل تلك المصائب. ولكنّه عندما اختصر في ذاته مأساة الكون، فجّر بقيامته، النور في قلب هذه المأساة وبدّل معناها بالكلّيّة، فأضحت معبرًا إلى التحرّر والنصر، وصارت إنسانيّته التي اتّخذها على شبه إنسانيّتنا، وغلّبها بالموت على الموت، باكورة الإنسان الجديد  ومقدّمة الكون الجديد حيث «لا يبقى للموت وجود، ولا للبكاء ولا للصراخ، ولا للألم، لأنّ العالم القديم قد زال» ( رؤيا ٢١: ٤).

     طاقة القيامة هذه تفعل في الكون فعل الخميرة في العجين (راجع متى ١٣: ٣٣) إذ تمتدّ من المسيح الظافر إلى الإنسانية التي أصبح هو رأسها، أي مُطلق ورشة التحرّر والتجدّد فيها، يعمل لا في الكنيسة المنظورة وحسب، أي في جماعة الذين يعون ظفره ويقصدون أن يعيشوا منه، بل في كلّ إنسان أو جماعة يتحرّك ويجاهد، بصفاء النيّة وإخلاص العزم، من أجل المعرفة والحقّ والخير والعدل والحرّيّة والرأفة والكرامة والسلام والفرح، في عالمنا المتخبّط المعذّب (٤٢). هؤلاء كلّهم، عَلِموا أم لم يعلموا، عمّال ورشة الله، يبنون معه، بعرقهم ودموعهم ودمهم المهراق أحيانًا، العالم الآتي، المشرق، الخالي من الحزن، الذي يعدّه الله للناس.

     لا بل أنّ الله، المصلوب أبدًا على جلجلة شرور الكون، يبثّ قوّة قيامة مسيحه حتّى عبر ما تتسبّب به «بصمات العدم» من اختباطات الطبيعة ومآسي التاريخ، بحيث يوفّر للبشر مجال الاستفادة، إذا شاؤوا، حتّى من سلبيّات الكون وكارثيّته. فلنتأمّل مثلّا في الدرس البليغ الذي جنته أوروبا من مجازر الحربين العالميّتين اللتين خاضتهما في المنتصف الأوّل من القرن العشرين والتي فنيت فيها زهرة شبابها وزَهقت فيها ملايين من الأرواح، إذ تكوّن لدى دول تلك القارّة تصميم على وضع حدّ نهائيّ للتطاحن الذي مزّقت به بعضها بعضًا طيلة قرون، وأن تُحلّ محلّه سلامًا دائمًا وتعاونًا وتضامنًا. أو فلنتأمّل في التضامن العالميّ العارم والمؤثّر مع المنكوبين الذي أثارته كارثة «التسونامي» في أواخر ٢٠٠٤. في هذه الظروف وغيرها يتحقّق ما ورد في مثل برتغاليّ كان يحبّه الشاعر الفرنسيّ الكبير بول كلوديل، والمثل يقول:«الله يكتب مستقيمًا بخطوط متعرّجة».

Dieu écrit droit avec les lignes courbes

     ليس أنّ التعرّج من الله يأتي، كما كان يدّعي الجواب التقليديّ على مشكلة الشرّ، إذ هو وليد «بصمات العدم» التي تتخلّل الخليقة لا محالة، كما رأينا. إنّه بعبارة أخرى يأتي من هشاشة الكون وفوضويّة الحرّيّة البشريّة. ولكنّ عين الله الساهرة الحنونة تعرف كيف تطعّم بالخير ما يفرزه الكون والبشر من شرور. بحيث يتاح لنا، إذا ما انتبهنا، أن نتبيّن، ولو من باب التهجئة، أحرف ذلك الخطّ المنير الذي تخترق به يد الله عتمة الكون ومأساة التاريخ.

     الخاتمة

     هذا ولا بدّ من الإشارة إلى أنّه، ولو كنّا استطعنا، في ما أسلفناه، أن نزيح ولو قليلًا، كما نأمل، طرفًا من الستار، إلّا أنّ السرّ يبقى كاملًا، وهو ما يلخّصه السؤال التالي: لمّا ارتضى الله أن يخلق الكون وهو عالم ما سوف تكون مأساته؟ ولما زجّ نفسه في تلك المأساة؟ هذا ما سوف يغيب عنّا إلى أن نبلغ، في الدهر الآتي، مرحلة الرؤية الجليّة «وجهًا لوجه» التي تسمح لنا «أن نَعرِف كما عُرفنا» (١كورنثوس ١٣: ١٢).

     أمّا، ونحن لا نزال أسرى ترابيّتنا ومحدوديّتها، «نهتدي بالإيمان لا بالعيان» (٢كورنثوس ٥: ٧) و«نرى في مرآة رؤية ملتبسة (١ كورنثوس ١٣: ١٢) (إذا كانت المرايا، في زمن الرسول، مصنوعة من المعدن المصقول، فلا تعطي بالتالي صورة كاملة الوضوح)، فإذا راعنا مخاض الخليقة، إذا أثقل كاهلنا نصيبنا منه، إذا تفطّرت قلوبنا لمشهد كثرة الذين يسحقهم هذا المخاض، إذا انتابنا غثيان أمام سيول الدماء المسفوكة جيلًا بعد جيل وبحر الدموع التي تذرفها القلوب المفجوعة بفقد الأحبّة، إذا هالتنا المظالم التي تدوس الحياة والكرامة في ظلّ مختلف الشعارات، إذا صمّ آذاننا صراخ الألم وثقبتها حدّة الأنين، إذا أرعبنا مشهد الموت الذي يسود الأحياء (٤٣) دون منازع ويحصد أطفالًا في رقّة البراعم* وشبّانًّا في ربيع العمر، إذا روعتنا شريعة الإقتتال والافتراس التي تسود الخلائق بما فيهم البشر، إذا رأينا أنفسنا، أمام كلّ ذلك، نتساءل بحيرة وجزع: لِمَ كان هذا الوجود؟، فليجدر بنا آنذاك أن نتذكّر أنّ اللامعنى لا يحتلّ وحده كلّ مساحة الموجودات، لأنّ الجمالات الكثيرة التي تلفتنا في الطبيعة وفي الإنسان وفي التنسيق البديع الذي نقرأه في الكون والمسيرة التصاعديّة التي سلكها منذ أن وُجد، كلّ ذلك، الذي قد لا ننتبه إليه كفاية لأنّه يبدو لنا بديهيًّا ومفروغًا منه، إنّما يشي بمعنى خفيّ لا يسعنا إلّا أن نقيم له الحساب، كما أنّه لا يسعنا إلاّ أن نأخذ بعين الإعتبار كون احتجاجنا الصارخ على اللامعنى الذي يصدّع الكون، لم يكن هو نفسه ممكنًا لو لم يكن في صميمنا عنصر يعلو بنا فوق اللامعنى  ويسمح لنا بالتالي أن نفضحه، عنصر يكشف الدمغة الإلهيّة التي على أساسها كُوّننا والتي هي فينا، بآن، ثورة على اللامعنى ووعد بإمكانيّة تجاوزه.

     أمّا إذا حجبت عنّا فداحة المصائب، فرديّة كانت أو جماعيّة، تلك الجمالات وذلك الوعد، ولم نعد نبصر سوى عتمة الكون دامسة، فإنّه يبقى بوسعنا، في لحظات الظلمة تلك (التي ذاقها معنا يسوع في بستان الجسمانيّة)، أن نتمتم بقلب كسير، إجابة عن السؤال الآنف الذكر الذي غدا يلفّنا بمنتهى الإحراج**: لا بدّ أنّ الله رأى أن الوجود، ولو علقت به وشوّهته لا محالة بصمات العدم، يبقى أفضل من العدم المطلق، إن لم يكن إلّا لكونه يفتح بابّا لممكن أفضل، ولا بدّ أنّه أي الله، ارتضى، من أجل ذلك، أن يخوض تلك المجازفة عالمًا بأن معاناته منها سوف تكون، وإن اختلفت نوعيّتها، أقسى بما لا يقاس من معاناة خليقته، تلك المعاناة، التي قبل أن يأخذها على نفسه، حتّى الصليب والقيامة.

     بعد ذلك، لا يبقى أمامنا سوى أن نلوذ بخفر الصمت، الذي يليق وحده بالله وبنا، ولكنّه ليس صمت المغلوب على أمره، صمت «العبد (الذي) يجهل ما يعمل سيّده» (يوحنّا ١٥: ١٥).

     إنّه صمت يضجّ بالرجاء

طرابلس – الميناء (لبنان)، ٤/١٠/٢٠٠٢ – ١٥/٥/٢٠٠٦

(في نور الزمن الفصحيّ)

ك.ب

 

حواشي الفصل الملحق

١- راجع تعبيرًا بليغًا عن هذه الاعتراض، على لسان احد الملحدين، في كتاب:

Erich- Emmanuel Schmitt: Le Visiteur, in Théâtre-1, Le Livre de poche, no 1536, LGF, Paris, 2005, p187

والكتاب الذي يصلح بمجمله مرجعًا للموضوع الذي يعالجه هذا المقال، هو عبارة عن رائعة مسرحيّة للكاتب الفرنسيّ إريك عمانوئيل شميت، بعنوان «الزائر»، مُثّلت للمرّة الأولى في باريس عام ١٩٩٣، وحصلت على عدّة جوائز، وهي تجمع إلى طرافة الموضوع، التشويق وجمال الأسلوب، والسلاسة والعمق والواقعيّة والشعر.

٢- لا بلّ أنّ اللاهوتيّ الكاثوليكيّ المعاصر، الأب جان كردونيل، يرى أنّ القول بأنّ الله «يسمح بالشرّ»، لا يتورّع عن الإنحدار به تعالى إلى مصفّ بيلاطس البنطيّ الذي، قبل أن يسلم يسوع إلى الموت، استجابة لمكيدة رؤساء شعبه، وجد مناسبًا أن يغسل يديه من إثم لم يكن ليتمّ لولا موافقته، معلنًا أنّه «بريء من دم هذا الصدّيق». راجع:

Jean Cardonnel: Dieu est pauvre, L'Epi, Paris, 1968, p108

٣- راجع:

Jacques Maritain: Humanisme integral(1936), nouvelle edition, Collection “Foi Vivante”, no 66, Ed Aubier-Montaigne, 1968, pp 64-65.

٤- وقد قدّم لنا الشاعر الفرنسيّ الكبير فيكتور هيغو نموذجًا أدبيًّا شهيرًا عن هذا الموقف الشائع. فإنّه، بعد أن فُجِعَ قلبه الوالديّ، سنه ١٨٤٣، بوفاة ابنته البكر المفضّلة لديه، ليوبولدين، التي غرقت، وهي في ريعان الصبا، مع عريسها الشاب، إذ انقلب بهما القارب الذي كانا يتنزّهان فيه، خاطب الله بهذه الأبيات:

«أجيء إليك، يا ربّ، أيّها الأب الذي يتوجّب الإيمان به

حاملًا إليك، بعد أن هدأ روعي،

قِطَعَ هذا القلب – الملآن كلّه من مجدك،

والذي انت حطّمته».

Les morceaux de ce Coeur tout plein de votre gloire

Que vous avez brisé.

Victor Hugo: Les Contemplations, A Villequier

حيث تروّعنا المفارقة بأن الله المدعوّ هنا أبًا يحطّم قلب ابنه! والأعجب من ذلك أنه في المقطع التالي يعترف أنّه

 “bon, clément, indulgent et doux”. فكيف التوفيق بين هذه المتناقضات؟

٥- راجع مقدّمة أسفار الأنبياء في طبعة أورشليم (١٩٥٥) للكتاب المقدّس.

Bible de Jerusalem, tome II, Ed. Du Club français du livre, Paris, 1965, introduction à Habaquq, p142.

راجع أيضًا: سفر حبقوق، الٳصحاح الأوّل.

٦- راجع كوستي بندلي: الله والشرّ والمصير، منشورات النور، بيروت، ١٩٩٣.

هل يغضب الله على الٳنسان؟ ص ١٤٥- ١٥٤.

هل يقتل الله في سبيل التأديب؟ ص ١٥٥- ١٩٠.

٧- “L´univers m’embrasse et je ne puis songer 

 Que cette horologe marche et n’ait point d´horloger?” (Voltaire)

٨- في هذه الآية، الرسول بولس، في سياق مخاطبة لمثقّفي أثينا، يستشهد بتصرّف بالشاعر Epiménide. راجع حاشية الترجمة المسكونيّة للعهد الجديد:

TOB: Nouveau Testement, 5e édition revue, Ed. Du Cerf, Paris, 1977, p292.

٩- راجع: القرآن المجيد مع معانيه بالفرنسيّة، نقله وحشّاه محمد حميد الله بمساعدة م. الليتورميّ، مؤسّسة الرسالة، بيروت، الطبعة ١١، ١٩٨١، ص ٨٢٦.

١٠- راجع

 Jean-Paul Sartre: La Nausée, 1938

١١- راجع: د. أديب صعب: المقدّمة في فلسفة الدين، دار النهار للنشر، بيروت ، ١٩٩٤.

١٢- البحر، بأعماقه السحيقة المعتمة ووحوشه المتربّصة في تلك الأعماق، يُشّكّل كما هو معروف، بالنسبة ٳلى الخيال البشريّ المغتذي بمكنونات العقل الباطن، رمزًا عريقًا للعدم يتمثّل بصور الظلمة والرعب والموت. وللتدليل ٳلى ذلك يكفي الرجوع، بين العديد من الشواهد، ٳلى سِفر يونان في الكتاب المقدّس (وهو يعود ٳلى القرن الخامس قبل الميلاد). وٳلى قصيدة فيكتور هوغو Oceano Noix (ليل على المحيط)، ورواية هيرمان ملفيل Moby Dick، ورواية روبرت لويس ستيفنسون، Les gais lurons: RL Stevenson، في القرن التاسع عشر للميلاد.

١٣- راجع:

Mircea Eliade: Traité d´histoire des religions (1949- 1977), Petite Bibliothèque Payot, no 312, Paris, 1979, pp 335- 336.

١٤- راجع:

-Mincea Eliade: op. cit, p327

-أيوب ٧: ١٢، ٤٠: ١٥- ٢٤، ٤٠: ٢٥ ٳلى ٤١: ٢٨، ٩: ١٣، ٢٦: ١٢.

-Note de la Bible de Jerusalem sur Job 7, 12 et sur Job 9: 13, BJ, tome 2, pp 1624- 1625, et p.1628

١٥- في تعليق له على فكر الفيلسوف جاك ماريتان، يشير الفيلسوف الفرنسيّ ٳتيان بورن ٳلى أنّ الأشياء ، كلّها «يتشابك فيها الوجود والعدم» وٳلى «أنّها بآن موجودة وغير موجودة». لأنّها في كلّ لحظة مُعَرَّضة للٳنهيار في ذلك العدم الذي تشدّها ٳليه عرضيّة وجودها وعدم ثباته.

راجع:

Etienne Borne: Idéosophie et philosophie, p.237, in Recherches et Débats du Centre Catholique des Intellectuels Français, no 61, DDB, Paris, 1967, pp231- 243

١٦- راجع:

Jacques Maritain: Humanisme intégral, op. cit., p.71

١٧- راجع:

Thomas Hopko: “Le pardon est au cœur de notre experience de vie”. Un entretien avec le père Thomas Hopko, p18, SOP (Service orthodoxe de presse), no 285, février  2004, pp 18- 24

١٨- راجع:

Soeren Kierkegaard: Journal (Extraits), 1846- 1849, NRF, Gallimard, Paris, 1954, pp62- 63

١٩- راجع:

Kallistos Ware, Approches de Dieu dans la Tradition Orthodoxe, DDB, Paris, 1982, p100.

٢٠- راجع:

Kalistos Ware: op. cit., pp99- 101

يروي اللاهوتيّ الكاثوليكيّ جان فرنسوا سيس أنّ الفيلسوف المسيحيّ جاك ماريتان كان يقول في آخر حياته «لو كان الناس يعرفون أنّ الله يتألّم عنّا وأكثر منّا بكثير من كلّ الشرّ الذي يعيث في الأرض فسادًا، لكانت كثير من الأمور تغيّرت» (١٩٦٩)، ويضيف جان فرنسوا سيس: «لقد آن الأوان لكيّ يُعرَّف بألم الله هذا، فتُحرَّر هكذا العديد من القلوب الأسيرة».

Jean-François Six: Les Béatitudes aujourd´hui (1984), Ed. Du Seuil, Paris, 1985 p126

٢١- راجع:

Maxime le Confesseur, Mystagogie, PG91, 713, cité par

- Métropolite Daniel Ciobotea: Le “Sacrement du frère”, p21, SOP, no 183, décembre 1993, pp27- 32.

- Olivier Clément: La vérité vous rendra libre (1996), Ed. Marabout, 1999, p.8

- راجع:

Kallistos Ware; op. cit., p.99. Souligné dans le texte.

٢٣- «...فٳذا الرب عابر وريح عظيمة وشديدة تصدّع الجبال وتحطّم الصخور أمام الربّ ولم يكن الربّ في الريح، وبعد الريح زلزلة ولم يكن الربّ في الزلزلة، وبعد الزلزلة نار ولم يكن الربّ في النار، وبعد النار صوت نسيم لطيف، فلمّا سمع ٳيليّا سَتَرَ وجهه بردائه». (٢ ملوك ١٩: ١١: ١٣).

٢٤- راجع:

Olivier Clément: Pâques et la guerre, p21, SOP, no 238, mai 1999, pp21 – 22

٢٥- راجع:

Nicolas Berdiaev: De l´esclavage et de la liberté de l´homme, trad fr. Paris, 1946, nouvelle édition, 1990, p.96, cité par Olivier Clément: Berdiaev. Un philosophe russe en France, DDB, Paris, 1991, p.67

:٢٦- مذكور في 

  Oliver Clément: Anachroniques, DDB, Paris 1990, p.213

٢٧- في فترة عودته ٳلى الله بعد غربة مختبطة ومريرة، سمع الشاعر الفرنسيّ بول فرلين الله يعاتبه كصديق:

“Mon Dieu m´a dit (…)

(…)

N´ai-je pas sangloté ton angoisse suprême

Et n´ai – je pas sué la sueur de tes nuits…”

(خاطبني ٳلهي قائلًا (...) ألم أنتحب لغمّك الأقصى، ألم يتصبّب منّي عرق لياليك...)

Paul Verlaine: Sagesse (1880), IV, 1 in: La bonne chanson, Romances sans Paroles, Sagesse, Le livre de poche, no 1116, Paris, 1963, p121.

٢٨- على حدّ تعبير سيسلي سوندرس، وهي طبيبة مسيحيّة متخصّصة بمعالجة الألم في الأمراض التي بلغت مرحلتها الأخيرة واستحال علاجها، وهي تعمل في مستشفى أسّسته في لندن، راجع:

Cicely Saunders, L´hospice, un lieu de rencontre pour la science et la religion, pp270- 271, in Le savant et la foi. Des scientifiques s´expriment. Présenté par Jean Delumeau (1989), Coll. “Champs”, no.298, Flammarion, Paris, 1994, pp.259-272

٢٩- المطران جورج خضر: «الدخول ٳلى أورشليم» ص ١٢، «النهار»، بيروت، ١٥/٤/٢٠٠٦، ص ١ و١٢

٣٠- راجع:

  1. Ware, Approches de Dieu…op. cit, p.101

٣١- راجع مثلاً:

Olivier Clément; La Descente du Christ aux enfers, p.22, SOP, no 169, juin 1992, pp. 18 – 24

٣٢- راجع:

Olivier Clément: Eglise et vie chrétienne, Commentaire ébauché du “Notre Père”, p.18, SOP, no 83, décembre 1983, pp.16 -19

٣٣- مذكور في: O. Clément: art cit., p18

٣٤- من تأمّل معاناة الله عِبرَ صليب يسوع، أذكر هذا المثل المؤثر المستمدّ من سيرة قدّيسة معاصرة تختلف عمّا ألفناه عن القدّيسين مع أنّها لا تقلّ عنهم في روعة عطائها وبهاء ٳشعاعها، أعني بها الأم ماري سكوبتسوف.

وُلدت اليزابت (ليزا) بيلانكو Pilenko في روسيا سنة ١٨٩١. كانت موهوبة جدًّا ٳلى حدّ أنّها صارت في شبابها، بفضل شخصيّتها القويّة وثقافتها الواسعة وبراعتها الأدبيّة والفنيّة، نجمة صالونات بطرسبرغ وصديقة الشاعر الروسيّ الكبير الكسندر بلوك. ناضلت في صفوف جماعة الاشتراكيّين الثوريّين الذين كانوا يكافحون ضدّ الاستبداد والظلم. ولمّا نشبت الثورة البولشيفيّة وتلتها حرب أهليّة طويلة وطاحنة، انتُخِبَت في تلك الأثناء عمدة لمسقط رأسها مدينة أنابا، وتعرّضت لخطر الموت من قِبَل البيض والحمر على حدّ سواء. عاشت حياة مضطربة صاخبة، ابتعدت فيها عن الكنيسة. تزوّجت مرّتين وتطلّقت وصاحبت وأنجبت ثلاثة أولاد، فُجِعَت بموت اثنين منهم. اضطرّت ٳلى الهجرة واستقرّت مثل كثيرين من الروس المهاجرين في فرنسا، بعد أن عرفت شيئًا من الغربة عن الله، عادت ٳلى الٳيمان والتزمت في حركة «العمل المسيحيّ للطلاب الروس» ACER وتقرّبت من الأب ليف جيلله، مؤسّس أوّل كنيسة أرثوذكسيّة فرنسيّة، ومن الفيلسوف نقولا بردياييف. بقيت طيلة حياتها شاعرة ورسّامة وكاتبة ومولعة بالفكر. قرّرت أن تعتنق الرهبنة فألبسها المطران Euloge الذي كان يرعى أبرشيّة روسيّة في باريس الٳسكيم الرهبانيّ وأطلق عليها اسم القدّيسة التائبة مريم المصريّة، فصارت تعرف بالأم ماري. وحدّد لها المطران Euloge أن يكون ديرها صحراء القلوب الكسيرة المرمية لوحدها في قسوة العالم الحديث وجفافه والظمأى ٳلى الحنان. فأسّست لهؤلاء بيتًا في شارع Lourmel بباريس، وصارت تستقبل فيه كلّ مهمّشي الحياة وصعاليك الأرض وصارت توفّر لهم الطعام والمأوى والدفء والرأفة والرعاية. كان يعاونها في هذا العمل ابنها يوري، وكان مرشد المقرّ كاهن روسيّ يُدعى الأب نيقولا Klépinine. أثناء الاحتلال الألمانيّ لفرنسا، ٳبّان الحرب العالميّة الثانية، صارت تستقبل أيضًا يهودًا كانت تطاردهم العنصريّة النازيّة لٳرسالهم ٳلى معسكرات الٳبادة، فكانت الأم ماري توفّر لهم سبل النجاة من موت محتّم، معرّضة بذلك حياتها للخطر. ولكن عملها الٳنسانيّ هذا لم يخف عن أعين الغستابو، التي ألقت في آخر المطاف، القبض عليها وعلى ولدها يوري وعلى الأب Klépinine وأرسلتهم ٳلى معسكرات الٳبادة في ألمانيا حيث قضوا نحبهم. وقد توفيت الأم ماري، شهيدة حبّها، في معسكر Ravensbruck عام ١٩٤٥. وفي ١٦ كانون الثاني ٢٠٠٤ أعلن مجمع البطريركيّة المسكونيّة في القسطنطينيّة، التي تتبع لها الأبرشيّة الروسيّة التي كانت تنتمي لها الأم ماري في باريس، قداستها وقداسة رفيقيها في الاستشهاد، أي ابنها يوري العشرينيّ العمر والأب Klépinine

ذكرتُ هذه النبذة عن حياة الأم ماري وظروف موتها. مقدّمة لنصّ تركَته وهو أحد قصائدها الأخيرة ويشهد لتحسّسها المرهف لما أوردتُ ذكره عن معاناة الله لمأساة الكون.

هذا النص وجدته بالفرنسيّة في مقال كتبه أحد الذين رووا سيرة الأم ماري. وانقل في ما يلي مقطتفات منه:

(…) Me voici parvenue à ma limite (…)

J´ai dû payer ma dette de l´or fin de mes souffrances,

Le compte est juste maintenant

Et voici le dernier dépouillement: quitter la vie

Pour tes froides demeures

Le sourffle brisé, je plonge mon regard dans le tien (…)

Non ce n´est pas ainsi que je te voyais

A travers les images de cette terre misérable et souillèe

En ton regard, voici toute l´amertune du monde

Et tout le feu d´amour de ton agonie au Golgotha (…)

Je tremble: tu étends vers moi ta main.”

Cité par Paul Ladouceur: L´expérience et l´idée de la mort chez sainte Marie de Paris, pp233- 234, Contacts, 57e année, no 211, juillet- septembre 2005, pp216- 235

(ها ٳنّني وصلت ٳلى نهاية شوطي (...) اضطررت ٳلى تسديد ديني بذهب آلامي الصافي،

اكتمل الآن الحساب، وها هي التعزية الأخيرة: أن أغادر الحياة لألتحق بمساكنك الباردة،

بنفَسٍ محطّمٍ، أغوص بنظري في ناظريك، (...) كلا، لست أراك الأن كما كنت أراك (عندما كنت أتطلع ٳليك)

من خلال هذه الأرض البائسة والمدنَّسة...في نظرك، ها ٳنّي أرى الآن كلّ مرارة الكون،

وكلّ نار الحبّ الذي التهب به احتضارك على الجلجلة (...) أرتجف وٳذ بك تمدّ نحوي يدك")

في هذا النصّ ترى الأم ماري نفسها في نهاية حياتها المعذّبة، فيتراءَى لها لأوّل وهلة ٳنّ ما عانته من آلام طيلة عمرها، خاصّة من جرّاء موت الأحبّة، والدها، أخيها، ابنتيها، كان بمثابة تسديد للدين الذي حمّلته ٳيّاها خطاياها، وٳنّ موتها، الذي تتوقعه قريبًا، سوف يكون خاتمة تسديد الحساب الذي تطالبها به العدالة الٳلهيّة، ولكن في تلك اللحظة بالذات، ترفع وهي محطّمة الفؤاد، ألحاظها ٳلى الله، تغوص في أعماق سرّه، وٳذ بها تكتشف أنّها لم تكن تراه على حقيقته، ٳذ كانت تُسقط عليه قبائح الدنيا، في حين أنّه، عبر صليب يسوع، أخذ على نفسه كل مآسي الأرض. ٳذ ذاك تدرك، في رجفة من التأثر والذهول، أنّها ليست وحدها في بؤسها، لأنّ الذي شاركها هذا البؤس حبًّا، وتجرّع مرارته حتّى الثمالة، يمدّ لها يد المعيّة والرفق.

٣٥- راجع:

France Quéré: L´homme né aveugle (Jn 9, 1- 41), p63, in Une lecture de l´évangile de Jean (1987), DDB, Paris, nouvelle edition, 1995, pp51- 64

٣٦- راجع:

Pail Ricoeur: Le scandale du mal (1986), Esprit, no. 140- 141, juillet-août 1988, pp57- 63.

٣٧- راجع:

  • «ستقوم أمّة على أمّة، ومملكة على مملكة، وتحدث زلازل هنا وهناك، وتقع مجاعات، وهذا بدء المخاض» (مرقس ١٣- ٧)
  • «فالخليقة تنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله (...) هي أيضًا ستعتق من عبوديّة الفساد لتشارك أبناء الله حرّيّتهم ومجدهم. فإنّا نعلم أنّ الخليقة جمعاء تئنّ ٳلى اليوم من آلام المخاض» (روميه ٨: ١٩- ٢٢).

٣٨- راجع:

Pierre Le Hir: Au Musée de l´homme, dans les méanders du cerveau, Le Monde, Paris, 22 octobre 2005, p23.

٣٩- ولنذكر على سبيل المثال، الدور البارز الذي لعبته «الثورة» التي أحدثها باستور في عالم الطب، باكتشافه الجراثيم وسبل مكافحتها، وبعدها الانقلاب الآخر الذي نشأ من اكتشاف المضادات الحيويّة، ANTIBIOTIQUES وقد سمحت هاتان الثورتان بقهر أوبئة، كالطاعون، كانت تودي بحياة مئات آلاف البشر دفعة واحدة، ويلجم أمراض فتّاكة واسعة الانتشار كالسلّ مثلًا.

٤٠- في نهاية القرن التاسع عشر، كان خمسمائة طفل من أصل ألف، في فرنسا، يموتون قبل أن يبلغوا نهاية عامهم الأوّل. أمّا في بدايات الخمسينات من القرن العشرين، فقد تدنّت هذه النسبة ٳلى خمسين من أصل ألف، ووصلت في العام ١٩٩٥ ٳلى خمسة من أصل ألف. راجع:

Brigite Thévenot avec Aldo Naouri, Questions d´enfants (1999), Poches Odile Jacob, no.44, Paris, 2001, pages 25 et 51

٤١-

  • بموجب ٳحصاءات تقدّمها العالمة الٳجتماعيّة سوزن جورج، فٳن معدّل الحياة الٳنسانيّة، في العالم، كان يبلغ ٤٦،٢ سنة ١٩٦٠، وقد ارتفع ٳلى ٦٣ سنة سنة ١٩٩٢. راجع:

Susan George, in le Monde Diplomatique, juillet 1995, pp 22-23

  • في بلد متقدّم كفرنسا، تفيد الٳحصاءات أنّ معدّل الحياة يزيد ثلاثة أشهر كلّ سنة عن:

RFI (Radio France Internationale), 19.9.1995

  • ٳلّا أن الظلم الٳجتماعيّ الذي يتسبّب بتفاوت صارخ في مستوى العيش، يؤدي أيضًا ٳلى تفاوت ملحوظ في معدل الحياة بين البلاد والفئات الميسورة وتلك التي تعاني الحرمان.

راجع:

Marc Ferro: Le Monde Diplomatique, décembre 1997, p26

٤٢- واحد من هؤلاء وهو مارتن لوثر كينغ، الذي قاد، بوحي من ٳيمانه، من سنة ١٩٥٥ وحتّى اغتياله سنة ١٩٦٨، نضالًا لا عنفيًّا رائعًا من أجل تحرير سود الولايات المتّحدة الأميركيّة من الغبن والدونيّة، آل ٳلى حصولهم على الحقوق المدنيّة وٳلى تصديع تفريق عنصريّ مستحكم، كتب بهذا الصدد:

ينبغي لنا أن نتذكّر أنّ الله يعمل في كونه، ٳنّه ليس خارج الكون، ينظر ٳليه من بعيد بنوع من اللامبالاة الباردة. بل هو، على كلّ دروب الحياة، يناضل نضالنا، وكمثل أبٍ دائم المحبّة، يعمل في التاريخ لخلاص أولاده. فعندما نناضل لدحر قوى الشرّ، فانّ ٳله الكون هنا يكافح معنا...».

Martin Luther King: La Force d’aimer (Strength to love, New York, 1963), traduit de l´américain par Jean Bruls, Casterman, Paris, 1982, p110

٤٣- باستثناء البكتيريا bactérie  التي كما هو معروف تتكاثر بانقسام الواحدة منها ٳلى اثنتين، وهكذا دواليك، دون ان تموت، وقد يمتدّ هذا السياق ٳلى مليارات السنين. راجع مثلاً:

Jacques Ruffié: Le Sexe et la Mort, cite in Questions d’enfants, op. cit., p.107

 

* "ها إن الله (...) إلى ملائكته ينسب غباوة فكيف الذين يسكنون بيوتًا من طين وفي التراب أساسهم؟" (أيّوب ٤ : ١٨ – ١٩).

*  على سبيل المقارنة، فإن دماغ الشمبنزي، أذكى القرود، لا يحوي سوى نحو ٦ مليارات من الخلايا: راجع:

Brigitte Thévenot avec Aldo Naouri: Questions d'enfants (1999), Poches Odile Jacob, Paris, 2001, p.175.

 * منهم ١٢ مليون طفل يموتون كلّ عام قبل أن يبلغوا الخامسة، من الجوع أو من أمراض كان من اليسير تجنّبها، راجع:

Brigitte Thévenot…: Questions d'enfants (1999), op. cit., p63

** ذاك الذي عبرت عنه شكوى أيّوب: «لمَ يعطي للشقي نور، وحياة لذوي النفوس المرّة؟»  (أيّوب ٣: ٢٠).