" الفكر عطية كبرى من الله وأحد عناصر الصورة في الإنسان، لذا لا يجوز الكفر به بحجة ما قد يقع فيه من شطط وغرور"
مقابلة صحفية حول هواجس الشباب

 

هذه إجابات عن اسئلة طرحتها عليّ، في 16/7/1994، الآنستان حنان معوّض واليان العمّ، مندوبتا "نهار الشباب"، وهي ملحق لجريدة "النهار"، وقد صدرت أجوبتي الخمسة الأولى في "نهار الشباب"، عدد 23/8/1994. أعيد تسجيل إجاباتي كلها، مع تعديلات أوردتها بين قوسين.6/2/2006

1- ما هي هواجس الشباب الأساسية؟

يعزّ عليّ أن أتحدث عن الشباب بشأن هواجسهم، وكأنّني أدّعي لنفسي حقّ الكلام نيابةً عنهم، بينما كان همّي دومًا أن اتحدث معهم، فاستمع اليهم وأصغي إلى ما يقولونه عن أنفسهم، وأكتفي بالتعليق عليه انطلاقًا مما أتيح لي أن أكتسبه من خبرة ومعرفة.

ألا أنه، وقد طُرح عليّ السؤال، فانني أسمح لنفسي بأن أذكر، في ضوء صلتي الطويلة بالشباب ومتابعتي الحثيثة لشؤونهم وشجونهم، (أفراداً وجماعات)، ما يبدو لي أنه يشكّل بعضًا من هواجسهم الأساسية.

  • التوق إلى تحقيق ذواتهم على أكمل وجه ممكن، في مستقبل يأملون أن يأتي مؤاتيًا لتطلعاتهم وأن يكون لهم كلمة ومساهمة في صنعه.

الرغبة بأن يُعترَف بهم وبوجودهم الفريد وبمعاناتهم وأحلامهم.

  • الرفض بأن يُعتَبَروا تكرارًا للماضي ونسخة عمّن سبقهم.

  • المطالبة بحقّ عيش خبرتهم الخاصة، في ظروف جيلهم، وابتكار تعبير جديد عن قيم التراث الحضاري، دون أن تُسَدّ عليهم الطريق مسبقًا وتُنـزَع المبادرة منهم، بحجة خبرة الأجيال التي سبقتهم.

  • الحاجة إلى أن يؤخَذوا على محمل الجدّ، ولو لم يكونوا بعد "منتجين" (بالعرف الإجتماعي لهذه الكلمة) وأن تُسمَع آراؤهم، ولو اتّسم تعبيرهم عنها بشيء من الرعونة والنـزق.

  • الحاجة إلى أن لا يستقيل الأكبر سنًا حيالهم، إذ هم بحاجة اليهم (وإلى صلابتهم)، وحتى إلى معارضتهم (ولو ضاقوا ذرعًا بها)، لينجزوا بناء أنفسهم، شرط أن يَقبل أولئك بالدخول في حوار حقيقي معهم وأن لا يتخذوا من سنّهم أو سلطتهم ذريعة لإسكاتهم.

  • الإصرار على أن تولى حاجاتهم في شتى الميادين، من اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية (وعاطفية) وروحية، الأهمية التي تستحقها، وأن يمنحها المجتمع مركز الصدارة في هواجسه وخططه، ليشعروا أنهم فعلاً أثمن ما لديه، كونهم أمله في النهوض والنموّ والتجدّد.

2- ما هي أسباب الخلاف بين الأهل والأبناء؟

الموضوع واسع جدًا ومتشعّب وقد خصّصتُ له أحد كتبي، الصادر بعنوان "خلاف الأهل والأبناء" (منشورات النور، طبعة ثانية مزيدة، 1992)، والذي نقلتُ فيه آراء الشباب أنفسهم (عِبرَ استقصاء أُجري في إحدى المؤسسات التعليمية) حول أسباب هذا الخلاف، وكنت قد تعرضت قبلاً لهذا الموضوع في كتابي "مع تساؤلات الشباب" (منشورات النور، الطبعة الثالثة، 1985، القسم الأول، الفصل الأول: علاقة الأهل بأولادهم المراهقين)، ثم عدتُ إليه في حديث لي بعنوان "بعض الأضواء على تأزّم العلاقات بين الشباب ووالديهم" نُشر ضمن كتابي"هواجس شبابية حول الأسرة والحب" (منشورات النور، 1986) .

ما يمكنني أن أقوله هنا بإيجاز، هو أن ثلاثة عوامل تساهم بشكل أساسيّ في إذكاء خلاف الأهل والأبناء، ألا وهي الإختلاف بين الأجيال، ازدواجية الحبّ الوالديّ، وازدواجية المراهقة.

  • فمن جهة، ينتمي كل من الأهل والأولاد إلى جيلين مختلفين بسماتهما. لم تكن هذه مشكلة حادّة عندما كانت الأجيال، في تعاقبها الزمني، تتماثل إلى حدّ بعيد ويكرّر كلّ واحد منها ويُخلّد صورة الذي سبقه، كما هي الحال في المجتمعات التقليدية. أما اليوم، وفي ظلّ الحداثة، التي ينسحب أثرها، بشكل أو آخر، على المجتمعات كلّها، فالتطوّر يتسارع بحيث يتسّع الشقّ بين جيل وجيل كما لوكانا يتكلمان لغتين مختلفتين. فما نشأ الأهل عليه من حيث مفاهيم السلطة وقواعد اللياقة وأنماط اللباس والهندام وأصول العلاقة بين الجنسين وغير ذلك، غريب إلى حدّ بعيد عما يتوق إليه البنون بتأثير عصرهم، فيستهجن طرف ما يحبّذه الطرف الآخر والعكس بالعكس. من هنا ينشأ سوء التفاهم ونوع من "حوار الطرشان".

  • من جهة ثانية فان المحبة الوالديّة، وإن سمت قيمتها، تتّسم بازدواجية لا تخلو من خطر. فهي (من جهة) قوية، مضحيّة ومتفانية، على وجه العموم، ولكنها (من جهة أخرى)، تنـزع، من حيث لا تدري إلى حد بعيد، إلى إحتواء الولد واعتباره امتدادًا للوالدين ليس إلاّ.

 هذه النـزعة - التي توسّعت في عرضها في كتابي "مواقفنا من أولادنا: إمتلاك أم إطلاق؟" (طبعة ثانية، جرّوس برس، طرابلس 1994، مجموعة "نحن وأولادنا") - قد تتوسّل شتى الذرائع التربوية لبلوغ أغراضها (مع تستّر على حقيقتها)، فتحاول مثلاً تكبيل الولد بالأوامر والنواهي لشدّه إلى الوالدين، بحجة تجنيبه مخاطر الحياة. هذا ما لا يطيقه المراهق، الذي يتيقظ لديه وعي حادّ لفرادته الشخصة وإصرار مستميت على تأكيد استقلاليتها، لذا فهو شديد الحساسية لكلّ ما يبدو له، (عن خطأ أو صواب)، في محبة الأهل وحمايتهم وسلطتهم، إنكارًا لهذه الإستقلالية أو تهديدًا لها، فيتمرّد عليه ويرفضه (بعنف أحيانًا).

  • وما يزيد في تأزيم الوضع وتعقيد المشكلة، هو كون المراهق لم تكتمل بعد هويته. فهو لا يزال متأرجحًا بين طفولة غادرها ورشد لم يبلغه بعد. من هنا أن سلوكه كثيرًا ما يحيّر أهله، فلا يدرون على أي أساس يتصرفون معه. فهو يطالب بالإستقلال، (وبضراوة أحيانًا)، ولكنه في كثير من الأحوال، يبدو غير مستعدّ للإضطلاع بما يفرضه هذا الإستقلال من وعي ومسؤولية. مما يغري الأهل بأن يحسموا المشكلة باعتماد الحلّ الأسهل. فبدل أن يتكبّدوا مشقة التعامل بيقظة ومرونة مع هذا الوضع المعقّد، الدقيق (في تناقضه وتقلّبه)، يتجاهلون أحد بعدَيه، (مدفوعين إلى هذا التسرّع بملحاحيّة الأوضاع كما وبالضغط الذي تمارسه عليه مشاكلهم الشخصية والعائلية). فإما يستقيلون حيال ولدهم المراهق (كما لو انه صار بالفعل راشدًا)، وإما يعاملونه وكأنه لا يزال طفلاً، علمًا أن كلا الموقفين مؤذٍ ومدمّر. أو انهم يتأرجحون بين هذين الموقفين، وفق تقلّباتهم المزاجية. وهو موقف (أو بالأحرى لا موقف) أشدّ ايذاء من السابقين (لأن المراهق إنما هو بأشد الحاجة إلى خطّ واضح وثابت يرسمه له والداه، فيرتاح اليه بالعمق لأنه يحميه من غموضه وتذبذبه، ولوتار عليه وتمنّى اختراقه).

3و4- ما هو الحل؟ ما هي المقترحات العملية من أجل مواجهة التأزّم بين الأهل والشباب؟

هنا أيضًا اكتفي برسم بعض الخطوط العريضة.

  • علاقة الأهل بأولادهم الشباب ليست "بنت ساعتها". انها تندرج في سياق تاريخ، تاريخ العلاقة التي قامت بين الطرفين منذ أن أبصر الأولاد النور. إن علاقة سليمة بالطفل تمنح فرصة أكبر لقيام علاقة سليمة به إذا ما صار يافعًا، وتساهم في تلطيف أزمة المراهقة. لذا اقتضى أن يُقرن الأهل محبتهم للولد بابداء الإحترام له منذ نعومة أظفاره (وذلك بأن يروا فيه منذ البدء انسانًا بكل ما في الكلمة من معنى وكرامة، ولو لم تتفتّح بعد إنسانيته كليًّا). ينبغي بالتالي أن يقدّموا له الإكرام والمراعاة كما يفعلون مع الراشدين أمثالهم، أن يستمعوا اليه باهتمام بدل أن ينعتوا حديثه بـ "الولدنات"، وأن لا يتورّعوا من أخذ رأيه، خاصة في ما يتعلق بشؤونه، وأن يحاولوا بصبر إقناعه بجدوى ما يطالبونه به، وأن يشاركوه اهتماماته- مهما بدت صغيرة (لأنها ليست صغيرة في عينيه)- بصدق وتعاطف، وأن يمنحوه فسحات من الحرية يمكنه أن يتصرف خلالها كما يحلو له.
  • ينبغي أن يعطي الأهل أزمة المراهقة حجمها الحقيقي، فيدركوا أن إصرار ولدهم على التمايز عنهم- مهما بدا عدوانيًا- لا يعني التنكّر لهم والعقوق بهم، لأن ما يرفضه المراهق ليس هو والديه، بل نمط تعاملهما معه كما لو كان لا يزال قاصراً. إنه يحتاج (بالرغم مما قد يبديه من مظاهر التبرّم) إلى حضورهما إلى جانبه، وإلى ما يحمله اليه هذا الحضور من دفء عطفهما ومن سند نضجها وخبرتهما، ولكنه، وبنفس الدرجة، يحتاج إلى تبديل في نمط ذلك الحضور. وكأن لسان حاله يوجّه لوالديه، (ولو كان ذلك عبر سلوكه حيالهما)، هذا النداء: إنني لا أزال ولدكما، ولكنني لم اعد طفلكما، إنني لا أرفض البنوّة، إنما أنا رافض للتبعيّة. فهلّم نفتش معًا، ولو كان ذلك لا يخلو من جهد وتعب، عن نمط علاقة بيننا يتلائم مع وضعي الجديد. نظرة من هذا النوع إلى واقع المراهق، إذا استطاع الأهل أن يتبنوها معًا، (عبر مراجعة دائمة للنفس لا تخلو من مشقّة، ولكنها، بالمقابل، تحدو بالمراهق إلى مراجعة نفسه هو أيضًا)، نظرة من هذا النوع من شأنها أن تنتزع فتيل التفجير عن أزمة لا بدّ منها، بحيث تصبح هذه الأزمة، (لا مؤذية للطرفين)، بل طريقًا إلى ولادة علاقة بينهما أرقى، وأوفر غنى وانسانية، (علاقة تعود على كل من المراهق وأهله بمزيد من النضج والإنتعاش).
  • ومن معالم تلك العلاقة الجديدة أن يتفق الوالدان مع ولدهما اليافع- عبر تفاوض وحوار- على إطار عام وخطوط عريضة لسلوكه يقتنع هو بها، فيمنحناه ثقتهما على هذا الأساس ولا يحاسبانه على كلّ شاردة وواردة ولا يحصيان عليه أنفاسه. بل يتركان له أن يسوس أموره بنفسه ضمن الخطوط العريضة المتفق عليها بينهما وبينه، ويفسحان له بذلك فرصة التمرّس على الإضطلاع بالمسؤولية.
  • يجدر أيضاً بالأهل في هذه الفترة الإنتقالية الحساسة من عمر ولدهم، أن يعرفوا كيف ينتدبون جزءاً مهمًّا من رعايتهم إلى مربيّن من خارج الأسرة (مدرسين، مرشدين، قادة حركات شبابية...) يرتاح اليهم المراهق (لأنه يجد لديهم حياله حيادًا عاطفيًا لا يسعه أن يجده في والديه، فيتعاطى معهم، بالتالي، بأقلّ حرصًا وأكثر حرية مما يتاح له مع أهله). فإذا تمّ هذا الإنتداب فعلاً، وتخطى الأهل غيرتهم وضيقهم من هذا المرجع الجديد في حياة ولدهم، (وقبلوا أن يفسحوا مجالاً لهذا الرديف في حياته)، مكتفين بتنسيق خَفر معه بشأن فتاهم أو فتاتهم عند الإقتضاء، اطمأنت نفوسهم إلى دوره وخفّ بالتالي ضغطهم على ولدهم (وتوتَّرهم بشأنه)، فيصفو الجو بينهم وبينه، وتضحي علاقتهم به أكثر يسرًا وأقلّ إلحاحاً وأوفر مردوداً.
  • يحسن أيضًا بالأهل، في هذه المرحلة بنوع أخصّ، أن يتخطّوا، في تعاملهم مع ولدهم، العلاقة التربوية البحتة، إلى صلة إنسانية أشمل، إلى علاقة إنسان بإنسان تتعدّى وتغلّف وتحيي علاقة الأبّوة والبنّوة، وذلك عبر مساهمتهم واياه في قضايا ذات اهتمام مشترك. (أسَريّة كانت أو ثقافية أو اجتماعية أو روحية...) وعدم تورّعهم من مكاشفته، بقدر ما، وبدون تحميله أعباء تفوق طاقته، بنواحٍ من شخصيتهم (وهواجسهم وتطلعاتهم)، تسمح له بأن يرى إنساناً مثله وراء الدور الوالديّ.
  • يحسن بالشاب، بالمقابل، أن يساهم بتخفيف حدّة العلاقة الصراعيّة مع أهله، وذلك بأن يكلّف نفسه جهد عرض مطالبه عليهم بأقلّ قدر من الإنفعال وبأوفر قدر من العقلانية والوضوح، وبأن يضفي مزيداً من المصداقيّة على مطالبته اياهم بالإستقلال عبر تمرّسه على التصرّف المسؤول الذي يثبت لأهله أنه فعلاً جديرٌ بالثقة.

5- هل من حبّ حقيقي في زمن المراهقة؟

هذا السؤال، والسؤالان اللذان يتبعانه، قد عالجتها بتطويل في القسم الثاني من كتابي المذكور أعلاه "هواجس شبابية حول الأسرة والحبّ". لذا أحيل القارئ إلى هذا المرجع إذا شاء الإستزادة.

  • المراهقة زمن يقظة الحبّ لانها زمن ولادة رجل وإمرأة الغد في جسد طفل الأمس ونفسيته.

  • كثيراً ما يتميّز حبّ المراهق بنضارة أخّاذة شبيهة بنضارة البراعم أول تفتّقها. كما أنه كثيرًا ما يتسم بنقاوة قلّ أن يعرفها الراشدون.
  • ولكنه، على رونقه، لا يتعدّى كونه مشروع حبّ أكثر مما هو حبّ بكامل معنى الكلمة. وهو يجاري، بطبيعته هذه، طبيعة المراهقة التي هي، تحديداً، فترة انتقالية، كما أشرنا، بين طفولة يتجاوزها المراهق ورشد يُقبل عليه، سياق اكتمال القامة الإنسانية لدى كائن لا يزال يحمل بعض بصمات الطفولة (بسلبيّاتها وايجابياتها) التي أقلع عنها، (في سعيه، المشوب بالقلق، إلى رشد يغريه غموضه ويخيفه بآن). وكما أن المراهق لا يزال في طور التفتيش عن هويته والسعي إلى احقاقها، عِبْرَ تعثّر واضطراب ومعاناة، فلا بدّ أن يأتي حبّه على شاكلته، فيتلمّس ويفتش هو أيضًا عن حقيقته عبر محاولات مؤثّرة ولكنها لا تخلو من الرعونة والقصور والأوهام.

مع ذلك، لا يجوز برأيي الإزدراء بحبّ المراهقة أو قمعه. فكأننا، إذا فعلنا، نقضي على البرعم وما يحمله من وَعد، بحجّة عدم اكتماله. إن حبّ المراهق انما هو عامل من عوامل نضجه، لأنه تعبير عن ديناميّة الحياة التي تشقّ طريقها عِبرَه، بما تعنيه من شوق إلى التواصل والمشاركة والإبداع والإنتعاش. وبالمقابل فإنه، كلما تقدّم المراهق في طريق النضج، كلّما أتيح لحبّه أن يزداد نضجاً وأصالة.

  • كل ذلك يعني أن حبّ المراهقة يتطلّب من المرّبين، إذا شاؤوا التعامل السليم معه، لا أن يعملوا على تسخيفه وإخماده وإجهاضه، بل أن يأخذوه على محمل الجدّ، وأن يسعَوا إلى تفهّمه ورعايته وترشيده، بكلّ ما أوتوا من وعي ودراية وتأنٍّ واحترام.

6- ما هي العقبات التي تعيق اكتمال الحبّ لدى المراهق؟

* "المراهق أنَويّ" بطبيعته. ليس بمعنى أنه أنانيّ، بل من حيث أنه منهمك- دون قصد منه ونظراً لطبيعة المرحلة التي يجتازها- بذاته التي بدأت تتمايز بحدّة عن المحيط، لا سيما العائليّ، والتي تستأثر حكماً باهتمامه من حيث ما يعتريها من نواقص وتقلّبات وتناقضات، وبسبب ضعف ثقته بقدراتها الناشئة وشعوره الأليم بأن المحيط لا يعترف بها ولا يتفهمها بما فيه الكفاية. من هنا أنه مشدود إلى ذاته بمزيج من الإعتزاز والقلق، همّه الأساسي أن يؤكد هذه الذات ويدعمها ويثبت قيمتها لنفسه ولسواه. هذا الإنهماك العفوي غير المقصود بالذات لا يدع للمراهق مجالاً كبيراً للإهتمام بفرادة الآخرين. مع أنه يتحسس هذه الفرادة انطلاقًا من شعوره الحادّ بفرادته. لذا نراه، في العلاقة الحميمة التي يقيمها، من صداقة (يعطيها هذا العمر قيمة كبرى) وحبّ، ينزع (لا شعورياً) إلى اتخاذ الشريك مرآة لنفسه يتوخّى أن تعكس له صورة عن ذاته تطمئنه إلى قيمته وقدراته. فالفتى مأخوذ، في الحبّ، بإثبات رجولته الناشئة وقدرته على ولوج قلوب الفتيات. والفتاة همّها، بالمقابل، التأكّد من أنوثتها وقدرتها الجديدة على الإغراء. كل ذلك، بالطبع وكما سبق وقلت، بشكل لا إراديّ وغير مقصود، إلى حد بعيد، (لا يزال يحمل الكثير من عفوية الطفولة). ثم إن ما يحدثه الحبّ من إثارة، وما يوقظه من أحاسيس ومشاعر جديدة وأخّاذة، من شأنه أن يستدعي لدى المراهق، وبفعل "أنويته" التي أشرنا اليها، تركيزًا مفرطًا على هذه الخبرة بحدّ ذاتها، إلى درجة أن موضوعها، وهو الشريك الذي تعاش معه هذه الخبرة، قد يغيب إلى حد بعيد وراء النشوة التي تُجنى من الإتّصال به. بهذا المعنى يجوز القول بأن المراهق كثيراً ما "يحبّ الحبّ" (وهي عبارة وردت في "اعترافات" أوغسطينوس الشهيرة، في معرض حديثه عن مراهقته) بحدّ ذاته أكثر مما يحبّ شخص المحبوب. من هنا نزعته العفوية إلى التنقل، في حبّه، من موضوع إلى سواه.

من جهة ثانية، فان ميل المراهق إلى الجنس الآخر، وهو أساس الحبّ، تشوبه الإزدواجية. فهو، من ناحية، مدفوع بقوة إلى اكتشاف هذا الجنس المختلف والمكمِّل، وإلى التواصل الحميم معه. لكنه، وعلى قدر شدة هذا الإندفاع وعمق انفعاله به، يتهيّب اقتحام هذا العالم الغريب عنه، (المغاير له) والمجهول منه، ويخشى الضياع فيه (والتلاشي في اختلافه)، كما إنه يرهب من الفشل في اكتساب ودّه وترحيبه (ومن انعكاس هذا الفشل على ثقته الهشّة بنفسه). من هنا أنه يصعب على المراهق أن يلتزم كلّيًا في علاقة حبّ، بسبب خوفه من الخيبة أو الأسر أو الضياع (والتلاشي). لذا تراه يحرص عفويًا على "حفظ خطّ الرجعة"، كما يقولون، حفاظاً على سلامة وأمان شخصية (لم تتوطّد بعد ثقته بقدراتها وتماسكها)، وصونًا لإعتبار للذات (لا يزال يعاني من هشاشته). هذا أيضًا ما قد يدفعه إلى التنقّل في الحبّ، إذ يوفّر بذلك على نفسه التزاماً يحسّه خطراً عليه.

7- ما هي صفات الحبّ الناضج؟ 

على نقيض ما وصفناه، فان الحب الناضج يذهب في مساره إلى آخر المطاف. يروح إلى أبعد من خبرة الحبّ وما تمنحه من نشوة وطمأنينة ودعم للذات، ليركّز على شخص المحبوب الذي منه تأتي هذه الهبات. من هنا تنبع عدة سمات يتميّز بها الحب الناضج. منها الرغبة في مشاركة الآخر في حياته، بما يقتضيه ذلك من تخطيط لمستقبل مشترك. ومنها رعاية موضوع الحبّ، والإهتمام الفعليّ بكلّ ما يخدم حياته ونموّه على كل الأصعدة، والشعور بالمسؤولية حياله، واحترام فرادته بحيث نريد له ان يحقق ذاته على طريقته الخاصة وليس وفقًا لمآربنا؛ والرغبة في تعميق العلاقة به ومدّها في الزمن بالوفاء له، بدل التشتّت بين علاقات متعددة، عابرة؛ والتوق إلى التعرّف اليه على أكمل وجه، لا عقلياً وحسب بل بكل الكيان.

هذا الحبّ الناضج مرشّح أن يبرز إذا ما تحرّر المراهق من انهماكه القلق بذاته. "فالحبّ وليد الحرية"، كما تقول أغنية فرنسية قديمة يستشهد بها المفكر والمحلّل النفسي "إيريك فروم".

8- بما أن "صوتك بيودّي" ما هي الكلمة التي تحبّ أن تتوجّه بها إلى الشباب؟

أعتقد أنه، إذا كان "صوتي بيودّي" حقيقة، كما تتلطّفان فتقولان، فانما هذا عائد لكون هذا الصوت قد حرص على أن يكون صدىً لما كانت تحمله إليّ أصوات الشباب من تساؤلات صاغها قلقهم ومعاناتهم وعطشهم إلى الحقّ والحياة.

من هذا المنطلق ومنه فقط، أسمح لنفسي أن أتوجّه إلى الشباب في ختام هذه المقابلة. أتوجه اليهم باسم كل الذين تجاوزوا مرحلة الشباب بقليل أو بكثير، وأنا من هذه الفئة الأخيرة، فأقول:
اننا، ولو كنا لا ندري، بحاجة إلى توثّبكم، ولو أزعجنا، لنستيقظ من سباتنا وغفلتنا، وننتعش ونتجدّد ونكتشف للحياة طعمًا وجدوى. فحافظوا على هذا التوثُب، حافظوا على توقكم الملحاح إلى التغيير الجذري والشامل الذي وحده "يجدد وجه الأرض". لا تَدَعوا بريق السِلَع المعروضة دون هوادة على نزواتكم وغروركم، تخدّر وتطفئ الطموح الذي فيكم. لا تنخدعوا بدعوة الكثيرين منا لكم إلى "واقعية" ضعيفة، مستقيلة، مستسلمة،خانعة، مقصوصة الجناحَين.

تعلّموا، بالطبع، واقعية الأساليب وقواعد الإنجاز الناجح- بما يقتضيه ذلك من تحصيل علميّ رصين- وخذوا على محمل الجدّ بُعد الزمن وما يقتضيه من نَفَس طويل. وأما من حيث الأهداف، (فحافظوا على أَلَق الرؤيا وجذريتها)، ولتبقَ أهدافكم مجنّحة بالحلم، مترامية الآفاق، رحبة المدى، لأن "الواقع"، خلافاً لما يصوّرون، ليس كتلة جامدة، حدّدتها الأقدار مسبقًا، انما سيكون، إلى حدّ بعيد، ما يرسمه طموحكم والتزامكم وسخاؤكم.

اننا بحاجة إلى ما يلتهب فيكم من عطش إلى معنى للحياة يجعلها جديرة بان تُعاش، معنى يتجاوز مجرّد أسباب العيش التي يلهث وراءَها مجتمع الإستهلاك الذي يغزو عالم اليوم، معنى يعطي العيش قيمة وأفقاً، ويجعله جديراً بانسانية فينا هي نبلنا الوحيد. لا تصدّقوا من قال لكم منّا انكم خياليون اذا لم تتخذوا من كسب المال والسلطة مبرّراً لوجودكم. إن كآبة العالم الذي يصنعه هؤلاء (والتي تتراءى وراء اهتياجه وضجيجه)، تكفي لدحض دعواهم. انها كآبة عالم ينتشر فيه البؤس والعنف والمخدرات، إلى جانب العبثيّة والسأم. أما أنتم، فرجاؤنا اليكم أن لا تقبلوا عن الفرح بديلاً، (على المشقّة التي تقتضيها أصالته). إذ ذاك تتفجّر تحت أقدامكم، في صحاري قحطنا، ينابيع ماء حيّ.


23/7/1994
ك.ب.